ثورة الإمام السهيلي على النحاة ذ. إبراهيم أبوالكرم

اشتهر الإمام السهيلي 581هـ في الساحة العلمية بكتابه النضير: الروض الأنف، في السيرة النبوية، وما دبجه يراعه في مبهمات القرآن، وكذلك ما استفيض عنه من شعره في التضرع والدعاء كقوله:
يا

يا من يرى ما في الضمير ويسمع
يا من يرجى للشدائد كلها
يا من خزائن رزقه في قول كن

  أنت المعد لكل ما يتوقع
يا من إليه المشتكى والمفزع
امنن فإن الخير عندك أجمع

“غير أن الباحث يكتشف في هذا الإمام لغويا مبدعا، ومفكرا نحويا بارعا، فكتابه في نتائج الفكر وأماليه يوضحان ما له من رسوخ قدم في العلوم اللغوية”
ولاستظهار هذا الجانب من حياة الإمام؛ اشتغلت على هذا الموضوع في البحث الذي تقدمت به لنيل شهادة الإجازة في الدراسات العربية بكلية اللغة العربية بمراكش والتابعة لجامعة القرويين لسنة 2010.
وقد نظم المجلس العلمي بمراكش هذه السنة، بمشاركة مع كلية اللغة العربية ندوة علمية عن الإمام السهيلي، وأنيط إلي الحديث عن الممنوع من الصرف عند الإمام السهيلي في هذه المداخلة، وقد سبق لهذه الجريدة نشر تقرير حول هذه الندوة. وإليكم نص المداخلة مختصرا:
إلى الله أرفع ثنائي الجميل، ومنه أستمد العون والتسهيل، والصلاة والسلام على أحمد خير الخلق وأشرفهم، صاحب الفضل والتبجيل. وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين.
وبعد فشكري مصروف غير ممنوع إلى السادة الحضور، الأساتذة الأجلاء، والسيدات الفاضلات، وأخص السيد رئيس المجلس العلمي المحلي، وأستاذي المبجل د. محمد اليوسفي. ولا أنسى أن أنثر أزهار تحية عطرة على هذه الكلية التي أتشرف للانتساب إليها.
وإنه لتتعثر الكلمات في فمي، وأنا أزاحم بكلمتي السادة المحاضرين، خاصة وقد أنيط بي أن أتحدث عن هذا العلم الفذ، وإمام العدوتين، أبي زيد السهيلي رحمه الله. لكني سأتناول القوس علّي أن أكون من بُراتها.
وها أنا ذا أحاول استنهاضه من رمسه، لنتذاكر وإياه رؤيته في الممنوع من الصرف.
الممنوع من الصرف قضية من القضايا النحوية التي اهتم بها النحاة من سيبويه في كتابه، مرورا بنحاة الأندلس، ووصولا إلى المحدثين في بحوثهم في هذا الموضوع، ولهم فيه جمل من المسائل اتفقت كثيرا، واختلفت أحيانا، وحاولوا تفسير هذه المسائل، وتعليل هذه الظاهرة، فأدلى كل بدلوه، والإمام السهيلي أحد الذين أثارت حفيظتهم تعليلات النحاة للممنوع من الصرف، فتناولهم بالانتقاد والرد، فكتب ما أملاه في كتابه الأمالي، فجاء موضوعا لطيفا شائقا، جديرا بالبحث والدراسة.
علما بأن الإمام السهيلي لم يكن فيما تناوله في كتبه النحوية إمعة يلوك ما بلغه من كلام النحاة وتعليلاتهم، بل كان عزيز النفس في العلم، عاليَ الكعب فيه، فقد كان أحد المجتهدين الذين أثْرَوا الساحة النحوية بخالص أفكارهم، وتحرروا من ربقة التقليد إلى فضاء الإبداع والنقد والمناقشة، الأمر الذي يظهر بجلاء في أماليه التي حمل فيها على النحاة فيما وضعوه من علل للممنوع من الصرف، مما يجعل من الكتاب قفزة نوعية في تجديد النحو، وإمداده بنفس جديد من البحث والتفكير، خاصة في هذا الموضوع الذي لا تكاد تفتح كتابا في النحو إلا وتجد في شأنه صفحات قلت أو كثرت، بل لقد اهتم به البعض اهتماما بالغاً حتى أفرده بكتاب مستقل كما فعل أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب 291هـ بكتابه ‘ما يجري وما لا يجري’ والزجاج 311هـ بكتابه ‘ما ينصرف وما لا ينصرف’ ومن المحدثين إميل يعقوب بديع بكتابه ‘الممنوع من الصرف بين مذاهب النحاة والواقع اللغوي’، غير أننا لم نر مثل هذا المنزع الذي نزع به الإمام أبو القاسم عند أحد منهم، حيث راغ إلى عللهم التسع فاستنطقها فلم تحر إليه جوابا، فراغ عليها ضربا باليمين، واستبدلها بما رآه رحمه الله يفي في العلة بالاطراد، ويخرج فيها من التحكم والانتقاض.
وليس للفريقين خصومة على ما هو مسموع عن العرب، فالمسألة لا تمس النسق النحوي الموروث عن العرب، بقدر ما هي مناظرة حول اصطلاحات وتخريجات قررها النحاة الأولون، ما لها عن العرب من سلطان.
ورغم ما نحى به الإمام السهيلي في مذهبه النحوي، فإنه ظل مرجعا معتبرا في آرائه، بل نجد الكثير منهم ينقل عنه، ويعرج على مذهبه، فابن هشام الأنصاري (ت761هـ) كثيرا ما يذكر كلام الإمام السهيلي في كتبه، كما في ‘مغني اللبيب’ وشرح شذور الذهب.
ونقل عنه شراح ألفية ابن مالك، كأبي إسحاق الشاطبي (ت790هـ) في المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية، وذكره رضى الدين الاستراباذي حاكيا عنه آراءه مرارا في شرح على كافية ابن الحاجب.
ومما يجدر بالذكر نقله ما اشتهر في ترجمة الإمام السهيلي من مراجعاته لشيخه ابن الطراوة، إلى حد مخالفته، وأشهر من ذلك ما وقع له مع ابن خروف من المناظرة في مسائل نحوية كثيرة، وقد حفظ لنا السيوطي بعضاً منها في كتابه ‘الأشباه والنظائر’ .
وبالعودة إلى مقصودنا فقد ناقش الإمام الممنوع من الصرف في كتابه الأمالي والذي طبع محققا من لدن الدكتور محمد إبراهيم البنا سنة 1969م، وهو إملاء مستقل، لم يجمع الإمام بنفسه بل كان ذلك صنيع أحد العلماء.
وقد كفانا الإمام السهيلي مؤونة التعريف بمسائله التي تناولها في موضوع الممنوع من الصرف، وذلك حين قال:
“وَقَدْ أَمْلَيْنَا جُزْءًا فِي أَسْرَارِ: مَا فَائِدَةُ الْعَدْلِ عَنْ فَاعِلٍ إلَى فُعَلَ؟ وَمَا حَقِيقَةُ الْعَدْلِ وَالْمَقْصُودُ بِهِ؟ وَلِمَ لَمْ يُعْدَلْ عَنْ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ؟ وَلِمَ لَمْ يَكُنْ إلّا فِي الصّفَاتِ؟ وَلِمَ لَمْ يَكُنْ مِنْ الصّفَاتِ إلّا فِي مِثْلِ عَامِرٍ وَزَافِرٍ وَقَاثِمٍ وَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِكٍ وَصَالِحٍ وَسَالِمٍ؟ وَلِمَ خَصّ فُعَلُ هَذَا الْبِنَاء بِالْعَدْلِ إلَيْهِ؟ وَهَلْ عُدِلَ إلَى بِنَاءٍ غَيْرِهِ أَمْ لا؟ وَلِم مُنِعَ الْخَفْضَ وَالتّنْوِينَ إذَا كَانَ مَعْدُولا إلَى هَذَا الْبِنَاءِ؟”
وقد بالغ الإمام السهيلي في الدعاية لإملائه هذا، فتراه يرجع إلى التذكير به الفينة بعد الأخرى، فيقول في موضع آخر وهو يتحدث على أن حقّ المعارف أن لا تنون كلها، ثم يستدرك قائلا: “ولكنه نُوِّن ما نون منه للسر الذي بيناه في أسرار ما لا ينصرف من الأسماء، وقد أملينا في ذلك جزء” .
ويدل ذلك على أنه قد جاء في الموضوع بما ابتكره فكره، ولم يسبقه إليه غيره، إلا ما كان من أبي الفتح عثمان بن جني من تلميح.
“فَمَنْ اشْتَاقَ إلَى مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْأَسْرَارِ فَلْيَنْظُرْهَا هُنَالِكَ، فَإِنّ ابْنَ جِنّيّ قَدْ حَامَ فِي كِتَابِ الْخَصَائِصِ عَلَى بَعْضِهَا فَمَا وَرَدَ، وَصَأْصَأَ فَمَا فَقّحَ” .
ونلمس من كثرة إيراد السهيلي مسائله وإحالته لقارئه عليها كلما سنحت له الفرصة إعجابه وافتخاره بفكره، وتقييم عمله بنفسه، وهو ما صرح به في موضع آخر قائلا:
“وقد كشفنا سر التنوين وامتناع التنوين والخفض مما لا ينصرف في مسألة أفردناها في هذا الباب، وأتينا فيها بالعجب العجاب”.
وتكاد نقطة البحث تختزل في الموضوع في مسألة العلة، تلك القضية التي لم تهدأ حولها الصراعات العلمية في شتى الفنون. لقد أدى الرواة ما سمعوه عن العرب، وتناقله عنهم اللغويون، ليبدأ النحاة بعد ذلك في النظر فيما تنوقل، ومدارسته لعلهم يجدون تفسيرا منطقيا يتوسلون به إلى وضع قواعدهم، على حد قول شيخهم سيبويه: “قف عند ما وقفوا ثم فسر” .
ولا ننكر أن العلل التي وضعها النحاة للظواهر اللغوية وضعت خارج نطاق الاستعمال العربي الأصيل لها، وأن البحث فيها إنما كان رفيق تدوين النحو المتأثر بالفلسفة والمنطق الغريبين عن ثقافة العرب البدو، وبيان ذلك أن “المنهج النحوي ابتدأ عند النحاة العرب وصفيا تقريريا على العموم ثم لم يبق كذلك، إذ سرعان ما افتتن النحاة بالمنطق الأرسطي، حتى صار عندهم أمارة الثقافة، وعنوان المعرفة، وأكثر ما كان افتتانهم بمقولة (العامل) و(العلة)” .
وتتبدى المواجهة أكثر من لدن المدافعين عن التعليل، لدى ابن جني في أكثر من موضع من كتابه الخصائص، وذلك كتبويبه: “باب في الرد على من اعتقد فساد علل النحويين لضعفه هو في نفسه عن إحكام العلة..”.
لكن سرعان ما ينكشف الحجاب عن المنتقدين فيظهر لنا ابن سنان الخفاجي وهو يقول: “فأما طريقة التعليل، فإن النظر إذا سلط على ما يعلل النحويون به، لم يثبت معه إلا الفذ الفرد، بل ولا يثبت شيء ألبتة، ولذلك كان المصيب منهم المحصّل من يقول: هكذا قال العرب، من غير زيادة على ذلك” .
وها هو ابن حزم ينقل ميدان معركته من الفقه إلى النحو، إذ يشن غارته على التعليل يقول: “وأما العلل فيه ففاسدة جدا، وإنما الحق من ذلك أن هذا سمع من أهل اللغة الذين يرجع إليهم في ضبطها ونقلها، وما عدا هذا مع أنه تحكم فاسد متناقض، فهو أيضا كذب..” ويعقد ابن مضاء القرطبي فصلا في كتيبه ‘الرد على النحاة’ ليقول: “ومما يجب أن يسقط من النحو العلل الثواني والثوالث” .
وحتى لا أثقل كاهل السامع بتعاريج الموضوع، حسبي أن أعطي نظرة عامة عن طريقة الإمام السهيلي:
أولا: انطلق السهيلي من منظور شمولي مطلق ليلزم النحاة بإلزاماته، ومن ثَم لينقض قواعدهم، فكان يخرج غالبا إلى فرعيات في الممنوع من الصرف لم يلتزمها النحاة أصلا، ومن أمثلة ذلك أنه ألزمهم أن يمنعوا كراماً وأمجاداً لمجرد كونها جمعا، علما أن النحاة قَصَروا الحكم على الجمع المتناهي.
ونجد ابن هشام يرد على من جعل كل علتين فرعيتين مانعا من الصرف: “ليس كل ما فيه علتان فرعيتان مطلقا يمتنع صرفه، ألا ترى أن نحو (قائمة) فيه الصفة والتأنيث، وهما فرعان على الجمود والتذكير، إلا أن الواضع لم يعتبر التأنيث الذي بغير الألف إلا مع العلمية لأنه لا يكون لازما إلا معها”.
ثانيا: استشهد الإمام السهيلي بالأشعار في سبعة مواضع، مع أن جلّها في باب العلم الذي ينبغي أن يُصرف وَوَرَد في الشعر ممنوعا. وجل اعتراضاته أمثلة يأتي بها: كعُمر وزفر وجشم وحسناء وكحلاء وغيرها. ومن المعلوم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في النثر.
ثالثا: اتبع الإمام السهيلي طريقة المناطقة في بناء النتائج على المقدمات.
رابعا: كان كلامه قاسيا حادا، يتخلل ذلك من مواضع من كلامه، وجعل علل النحاة عللا في عقولهم، واتهمهم في أخذهم بهذه العلل أنهم في حيز الجنون والهذيان.
وختاما فإن الموضوع أوسع من أن يحاط به في دقائق معدودة، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *