على نفس الصفحة اختار صاحب عمود في الواجهة أن يتكلم في مقلبه المعنون بـ”دين مقابل فرج” عن الطرح الذي يرى هو وحده ومن هم خلفه ومن هم أمامه ممن هم على شاكلته المشبوهة؛ في قضية أن تختزل إهانة الإسلام بمعرض تشكيلي على أرض القيروان؛ معرض فضلت فيه الرسامة التشكيلية عرض لوحاتها المشخصة للعضو التناسلي على غرار ما قامت به إحدى المخرجات المغربيات من عرض مسرحيتها المعنونة بـ”ديالي”، وأنه اختزال لا يعدو أن يكون تجنيا على الدين والفن معا من طرف أولئك الذين وكما أخبر هو؛ لا يريدون كف أذاهم عنا، والذين يرون في كل شيء وأحيانا اللاشيء إهانة مزعومة للإسلام، ليخلص بعد هذا الفصام إلى طرح سؤاله الميتافيزيقي: أين نحن؟
وإلى أين سيصل هؤلاء المجرمون في لعبهم بديننا الإسلامي؟
نعم صار كل من له غيرة على دينه وعرضه، وما هو على وفق الفطرة التي فطر الله عليها الناس جميعا، مجرما معربدا قاطعا لطريق الحداثة، مستعديا بأذاه، يحلل ويحرم مثلما شاء، لاعبا بالدين الإسلامي على وفق هواه لا أقل ولا أكثر..
فما أشبه اليوم بالأمس البعيد؛ يوم وقف فرعون قائلا كما أخبر ربّ السماوات والأرض في محكم كتابه المبارك: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ وَأَن يُظْهِرَ فِي الْاَرْضِ الْفَسَادَ}، فلعبة انقلاب الأدوار ودعاوي التدليس والتلبيس قديمة إذن، فلا ضير مع التسليم بقدمها أن يصير الأمين خائنا والخائن أمينا، وأن يصبح الصادق كاذبا والكاذب صادقا، وأن يكون الديوث غيورا والغيور ديوثا، ولا ضير في ظل هذه الحمئة وهذا الفصام أن يتكلم الرويبضة في شأن العامة، وأن يقتحم بوابة الفهم عن مراد الله ورسوله من دينه الذي ارتضاه لنا دينا بعد أن أكمله وأتم نعمته، وصرنا به على البيضاء التي كان ليلها كنهارها، وظلامها كنورها، لا يزيغ عن جادتها إلا هالك عن هالك.
وعلى نفس الصفحة يقع تحت هذا الاجتراء الفاحش عمود صغير معنون بـ”الشتيمة بـ20 دولارا..”؛ في هذا المقال نقرأ عن تصويت سكان بلدة في ولاية “ماساتشوستى” الأمريكية لصالح اقتراح قانون يفرض غرامة مالية بقيمة 20 دولارا على من يتلفظ بشتيمة في مكان عام.
وهي غرامة كما جاء في الخبر لا تستهدف المحادثات الخاصة، بل الشبان الذين يصرخون بكلمات نابية في الأماكن العامة، “فهل يجرؤ هذا الرويبضة على اتهام الأغلبية المصوتة لصالح هذا القرار الرشيد بالإجرام والتطرف والتسلط والاستبداد والظلامية، وقتل روح الإبداع الشبابي، وتضييق الخناق على الحريات الفردية؟
أم يكون من صنف المطففين الذين إذا اكتالوا على الإسلام يستوفون، وإذا كالوا لغيره أخسروا مخافة أسيادهم وسعيا وراء نيل رضاهم الحداثي؟
ثم هلمّ بنا وإياه إلى أن نقارن مع ما يمكن أن ينبس به شاب أمريكي من كلام نابي، مع ما وصلت إليه ذهنية الإخراج المسرحي المغربي في إبداع حداثي يجعل ممثلة مغربية مسلمة أمام حشد من الحضور الغثائي تتكلم طيلة فصول المسرحية عن عضوها التناسلي دون أدنى حرج ولا مزعة حياء، تجتر الجمل تلو الجمل يكون فيها هذا العضو المذكور آنفا فاعلا ومفعولا، وخبرا ومبتدأ، ونعتا وحالا وتميزا، يتم كل هذا المروق باسم الفن الذي هو محض أفن وكرياس عفن، وباسم الإبداع الذي هو محض اقتلاع خلقي يرمي إلى تثبيت مدنية حداثية تعج أركانها بالفواحش والمناكر والمقذورات في أشد تجلياتها شذوذا وانحرافا، بل الأدهى والأمر أن يوجد من بيننا من ينتسب أو يريد أن ينتسب إلى الفكر والنقد؛ له كامل الاستعداد في الدفاع بجراءة وصفاقة عن مثل هكذا سلوك.
إننا وامتثالا لنبينا صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن نجزم بالتسليم الذي مفاده أن الناس هلكوا، ولكننا لا يمكن أن ننكر ما وصلت إليه الأمور من فصام وخداع نكد وجرأة على محارم الله وحدوده؛ في بيئة صار فيها عند الكثير من الناس نخبهم وعوامهم من المستحيل تحقيق الرفاه للحياة البشرية في محيطها العصري دون ممارسة الإلحاد والانسلاخ الخلقي، وكأن الذين وطئت أقدامهم القمر وغزت صناعتهم المادية البر والبحر والفضاء مروا من عين الطريق التي يعبد فسقها اليوم في مجتمعاتنا دعاة الحداثة والمعاصرة والانسراب التغريبي، والتي طالما أنكرها وتصدى لها الذين اختبروا الحياة في رفاهية من أمثال “مستر دالاس” وزير خارجية أمريكا الذي أفرد فصلا من كتابه “حرب أم سلام” سماه: “حاجاتنا الروحية”، يقول في بعض ثنايا سطوره:
“إن الأمر لا يتعلق بالماديات فلدينا أعظم إنتاج عالمي في الأشياء المادية، إن ما ينقصنا هو إيمان صحيح قوي، فبدونه يكون كل ما لدينا قليلا، وهذا النقص لا يعوضه السياسيون مهما بلغت قدرتهم، أو الدبلوماسيون مهما كانت فطنتهم، أو العلماء مهما كثرت اختراعاتهم، أو القنابل مهما بلغت قوتها”.
فهذه وقفة مع فكر وتوجه لواحد من زمرة الأخسرين أعمالا الذين بنوا بنيان نقدهم على كثيب مهيل من رمل متحرك لا نحسبه سيصمد طويلا، تليها وقفة مع قوله بـ”الانتساب” إلى أين سيصل هؤلاء المجرمون في لعبهم بديننا الإسلامي؟
لنسأله بدورنا أي دين إسلامي يعنيه؟
فإن كان الدين الذي أرسل به محمد عليه الصلاة والسلام، فهو الإسلام الذي قال فيه الرحمة المهداة: “إن لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء”، ولأننا لسنا حكاما ولا قضاة فلن نطعن في انتسابه، لكن هذا لا يمنع أن نسأله عن لوازم هذا الانتساب، وذلك بعد أن يعلم أن من مميزات ذلك الحياء؛ العفة، والحجاب، واللحية، والكلمة الطيبة التي تنافي كلمة “ديالي” الخبيثة، والولاء والبراء في الدين، والغيرة على محارم الله، والذود عن حياض السنة ومحبة أولياء الله على الحق والصدق، والذين هم في قاموس فكره عين الظلاميين والمجرمين الذين بزعمه لا يريدون كف أذاهم عن شواكله، والذين يرون في كل شيء وأحيانا في اللاشيء إهانة مزعومة للإسلام حسب تصوره المريض المدخون، فأين يا تراه من هذه اللوازم حرصا ومدافعة وغيرة ومرافعة؟
إننا ونحن نقف مع هذه الهتافات التي تصدر عن حناجر متعبة ناشزة، ونواجه هذه المزاعم الحاقدة التي تعبر عن بطش الأنامل الجائرة والقلوب الحائرة المتربصة بهذا الدين العظيم، لنعلم أن إسلامنا العتيد أقوى من أن يعترض سبيله كائنا من كان، وهو أيضا أشرف من أن يتناول أحكامه التافهون؛ وحتى إن قدر الله كونا أن يتطاول عليه اليوم نفر من الوضاعين والمدلسيين فبعيد كل البعد أن ينجح لهم مشروع، أو أن يفلح لهم موضوع، أو أن يسجل لهم التاريخ ركزا مركوزا، أو حتى همسا مهموسا، إنما هي أيام خالية معدودة وتجتر ذاكرتهم وتشهد عليهم جوارحهم بما كانوا قد فعلوه، وأحصاه الله ونسوه.