هدي القرآن في شؤون السياسة

طريقة القرآن في هذا المجال أعلى طريقة، وأقرب إلى حصول جميع المصالح الكلية وإلى دفع المفاسد.

قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}، وقال: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}، يعني أن جميع أمور المؤمنين وشئونهم واستجلاب مصالحهم واستدفاع مضارهم معلقٌ بالشورى، ولذا اتفق العقلاء أن طريقها هو الطريق الوحيد للصلاح الديني والدنيوي، بحيث إذا تعينت المصلحة الشرعية في طريق سلكوه، وإذا تعينت المضرة في طريق تركوه، وإذا كان في ذلك مصلحة ومضرة، نظروا: أيها أقوى وأولى وأحسن عاقبة, وإذا عرفـوا -وقد عرفوا-أن السعي لاتفاق الكلمة على الحق وتوحيد الأمة هو الطريق الأقوم للقوة المعنوية، جدوا في هذا واجتهدوا، مع الإقدام في موضع الإقدام، والإحجام في موضع الإحجام، وبالجملة لا يدعون مصلحة داخلية ولا خارجية، دقيقة ولا جليلة إلا تشاوروا فيها، وفي طريق تحصيلها وتنميتها، ودفع ما يضادها وينقصها.
ومن الآيات في هذا الباب قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ}، ونحوها من الآيات التي أرشد الله فيها إلى شدة التحرز من الأعداء.
وما يكون ذلك إلا بأن يستعدوا لكل أمر من أمورهم الدينية والدنيوية بعدة أناس، إذا فقد أحدهم قام مقامه غيره، وأن تكون الأمة متوحدة في إرادتها وعزمها ومقاصدها وجميع شئونها، قصدهم جميعاً أن تكون كلمة الله هي العليا.
وقال تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، أي: اتقوا غضبه وعقابه بالقيام بما أمر به من كل ما فيه الخير والصلاح لكم جماعة ومنفردين، فكل مصلحة أمر الله بها وهي متوقفة في حصولها أو في كمالها على أمر من الأمور السابقة واللاحقة، فإنه يجب تحصيلها بحسب الاستطاعة، فلا يكلفهم الله ما لايطيقون، وكذلك كل مفسدة ومضرة لا يمكن اجتنابها إلا بسلوك بعض الطرق السابقة واللاحقة فإنها داخلة في تقوى الله تعالى، وذلك بأسبابها، لازم الحق حق، والوسائل لها أحكام المقاصد.
كذلك كل ما نهاهم عنه، فإنه أعطاهم من القوى والأسباب ما يمكنهم من البعد عنه ومن الحلال ما يستغنون به..
و أرشد الله إلى الحكم بين الناس بالعدل الذي ما قامت السموات والأرض إلا به، فالعدل قوام الأمور وروحها، وبفقده تفسد الأمور كلها ويختل الميزان لكل شيء.
والحكم بالعدل من لازمه معرفة العدل في كل أمر من الأمور، فإن فهمت الأمة حقيقة العدل وعرفت حدوده وضعت كل شيء في موضعه، فإذا أخدوا يذلك تجنبوا الظلم والفساد، وترقوا بأمتهم وصلح حالهم.
ومن الآيات المتعلقة بالسياسة الشرعية كذلك: الآيات التي فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتكلم بالحق مع مَن كان وفي أي حال من الأحوال.
وكذلك الآيات المنهي فيها عن الظلم فيها إرشاد لإعطاء الناس الحرية النافعة التي معناها التكلم بالحق، والدعوة إلى الصالح للأمة، وفي الأمور التي لا محظور فيها، كما أن الحدود والعقوبات والنهي عن الكلام القبيح والفعل القبيح فيها رد الحرية الزائفة الكاذبة الباطلة التي يتشدق بها الحمقى والسفهاء الذي عَمُوا وصموا، فلا يرون ما حل بأمم الغرب من الدمار من ثمرات هذه الحرية الفاجرة الخاسرة، إن ميزان الحرية الصحيحة النافعة هو ما أرشد إليه القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم.
وأما إطلاق عِنان الجهل والظلم والأقوال الضارة المحللة للأخلاق، فإنه من أكبر أسباب الشر والفساد، المؤدية إلى الفوضى المحضة وانحلال الأخلاق التي هي قوام كل أمة.
فنتائج الحرية الصحيحة أحسن النتائج، ونتائج الحرية الفاسدة أقبح النتائج، فالشارع الحكيم فتح الباب للأولى، وأغلقه عن الثانية، تحصيلاً للمصالح ودفعاً للمضار والمفاسد، والله أعلم.
انظر القواعد “الحسان” للعلامة السعدي رحمه الله تعالى

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *