شرح منظومة العلامة القاضي محمد أبي بكر القيسي الغرناطي التي سماها «نيل المنى في نظم الموافقات» للإمام الشاطبي -رحمه الله- الشيخ مولود السريري

المقدمة الثالثة
في أن الأدلة العقلية لا تستقل بإفادة الحكم الشرعي، وعليه فإنها لا تستعمل في هذا العلم -علم الأصول- إلا مرتبة على الأدلة النقلية؛ وفي ذلك يقول المصنف:
لا تدخل الأدلة العقلية ذا العلم إلا تخدم النقلية
«لا تدخل الأدلة العقلية» والدليل العقلي هو ما استقل العقل بإدراكه فلم ينتزعه من شرع ولا من عادة، وذلك مثل إدراكه أن الواحد نصف الاثنين، وأن الكل أكبر من الجزء وأن التناقض محال، وما يبنى على هذا من الأحكام النظرية، كل ذلك وما أشبهه لا يدخل «ذا العلم» يعني علم أصول الفقه «إلا» لكي «تخدم» الأدلة «النقلية» نصوص الكتاب والسنة، وسبيل خدمتها لها، منها: أن الأدلة العقلية يتوسل بها إلى معرفة مضامين هذه النصوص والمقاصد الكلية المقصود تحصيلها بها، الا ترى إلى استقراء الأدلة الشرعية لمعرفة القواعد الكلية التي تنظمها، فإن ذلك إنما يحصل بالانتزاع العقلي لهذه القواعد من حول تلك الأدلة، وفي أثناء ذلك لا بد من استعمال ما يتوصل به من الأدلة العقلية إلى هذا الانتزاع.
ثانيها: سوق الأدلة النظرية في تحقيق الدلالة اللفظية، فيؤخذ باليقين -كدلالة الأمر على الندب- أو بالاحتياط -كدلالة الأمر المجرد على الوجوب-.
ثالثها: تحقيق ماهية موضوع البحث والنظر، وتحديدها وكونها من جهة العقل ثابتة، ولا يكون إلا بخلوها من التناقض (انظر حقيقة الاستثناء مثلا).
رابعها: جعل الجامع بين المقيس والمقيس عليه علة عقلية.
خامسها: تحقيق مناط الحكم واستخراجه.
وإذا تأملت أحوال هذه المواطن كلها وجدت أن العقل ليس فيها إلا آلة يتوسل بها الى دراسة النصوص الشرعية، ومعرفة مقتضياتها، وما يعتريها من أحوال.
فالعقل في المشروع لا مجال له **إلا بقـدر النقل فيما احتملـه
إذا فـقـد صـح مـن الـسـمـعــيــة **بـأنـهـا الأدلــة الـمـرعــيـة
ويــنــدر الـقـطـعــي فــي آحــاد **أدلـة السـمـع فـي الانفــراد
وعليه «فالعقل في» إثبات «المشروع» من الأحكام في هذا الدين «لا مجال» أي لا محل «له إلا بقدر» ما ترشده وتوجهه الى كشفه دلالة «النقل» يعني الدليل النقلي -النصوص الشرعية- وذلك المجال محصور «فيما احتمله» النقل -الدليل النقلي- من معنى شرعي أو لغوي، فيكون قصارى عمل العقل -في هذا الشأن- الكشف واستخراج المضامين والمعاني من الدليل النقلي.
«إذا فقد صح» بناء على ما تقدم، «من» أن الأدلة العقلية خادمة -هنا- للأدلة «السمعية» النقلية «بأنها» أي هذه الأدلة السمعية هي في واقع الأمر «الأدلة المرعية» في بناء الأحكام وصوغ القواعد، لأن على مقتضاها المدار في ذلك كله، فهي المدرك لذلك كله.
«و» إنما يحتاج إلى استعمال هذه الأدلة في هذا العلم ومنها الاستقراء لأنه «يندر» ما هو «القطعي في آحاد» أي أفراد «أدلة السمع في» حال النظر فيها على «الانفراد»، فإن كانت من أخبار الآحاد فعدم إفادتها القطع ظاهر، ولا يستدل في هذا العلم بما ليس قطعيا، وإن كانت متواترة فإنها وإن كانت قطعية الثبوت فإنها ليست قطعية الدلالة.
لأجل أن قطعها موقوف على أمور ظنها معروف
منها طريق النقل للغـات …………………………
وذلك «لأجل أن قطعها» يعني إفادتها القطع فيما تدل عليه «موقوف على أمور» يجب أن تحصل «ظنها» يعني كونها كلها أو جلها ظنية «معروف» مقرر عند علماء هذا الفن وغيرهم.
«منها» أي تلك الأمور «طريق النقل للغات»، وقد علم وتقرر أن الطريق لمعرفة اللغة إنما هو النقل المحض، وهو إما تواتر أو آحاد؛ فالمتواتر منه قطعي باتفاق، وما أورد عليه من إشكالات قد أجيب عنها، فانتهى فيه النظر إلى أنه قطعي، وأما الآحاد فإنه ظني في دلالته لأن ثبوت نقله ظني كذلك، فلا يحتج ولا يتمسك به في القطعيات، كما ذهب إلى ذلك فخر الدين الرازي، وذهب بعضهم -كالأصفهاني- إلى أنه يستدل به ويتمسك به في القطعيات لأنه مثل خبر الواحد في الشرع.

………………………….. *** ومقتضى مذاهب النحاة
ومـا به الترتيب ذو امتيـاز ****وفقد الاشتراك والمجاز
والنسخ والمعارض العقلي **** ……………………….
«ومقتضى» آراء و«مذاهب النحاة» فإنه يجري فيه مثل ما يجري في اللغة مما تقدم ذكره.
«وما به» من وجوه الإعراب يكون «الترتيب» بين أجزاء الكلام مرجحا على ما سواه، وهو «ذو امتياز» عليه وأولوية، «وفقد» أي عدم «الاشتراك» لأن الاشتراك من موجبات الإجمال في الكلام، فما لم يكن اللفظ قد دل على معنى معين خاص فإنه لا يجزم بالمراد به، فكان لا بد من ثبوت عدم الاشتراك «و» عدم «المجاز»، فاحتمال اللفظ لمعناه المجازي يدفع تفسيره بما دل عليه بمعناه الحقيقي، فلا بد من الجزم بأن المعنى المجازي غير مقصود به للحكم بذلك.
«و» عدم «النسخ» للحكم الذي دل عليه نص ما، مما لم يجزم بأن النسخ لم يرد عليه فإنه لا ثقة فيما دل عليه من حكم «والمعارض العقلي» فإن ما عارضته مقتضيات العقول الصحيحة لا يصح ولا يمكن أن يكون صحيحا شرعا، فلا بد من الجزم بأن ما دل عليه لفظ ما، لا يتناقض ومقتضيات العقول الصحيحة.
……………………………… ***والنقل للشرعي والعادي
والحذف والتقييد والتخصيص ***…………………………
«و» عدم «النقل» لدلالة اللفظ من مدلوله اللغوي «لـ» مدلوله «الشرعي» فلا يقدم على حمل اللفظ على معناه اللغوي إلا بعد العلم بأنه لم ينقل من ذلك المعنى إلى معنى آخر شرعي؛ وعدم النقل «العادي» فاللفظ قد ينقل من معناه اللغوي إلى معنى عرفي عام أو خاص، فيصير مستعملا فيه، فلا يحمل على معناه اللغوي إلا بعد العلم بأن ذلك لم يحصل.
«و» عدم وقوع «الحذف» لجزء من الكلام، فلا يحمل الكلام على ظاهره اللغوي إلا بعد العلم بأنه لم يحذف منه شيء؛ وحذفه يعلم من جهة الشرع أو العقل أو العادة، وهذا الحذف يعبر عنه بالإضمار؛ «و» عدم «التقييد» للفظ إذا كان مطلقا، فاللفظ المطلق لا يحمل على ظاهره إلا بعد العلم بأنه غير مقيد؛ «و» عدم «التخصيص» للفظ إذا كان عاما، فاللفظ العام يتوقف حمله على ظاهره على العلم بأنه غير مخصص، فلا يحمل على ظاهره إلا بعد العلم بأنه غير مخصص.
هذه العوارض كلها يجب أن يجزم بأن اللفظ قد خلا من عروضها فيه وهذا الخلو إن حصل إنما يكون حصوله -غالبا- ظنيا فلا سبيل إلى العلم بذلك كله على وجه قطعي، فالأمر المجرد -مثلا- لا يحمل على الوجوب إلا بعد العلم بأنه قد خلا من عارض يمنع من ذلك، ثم إن حمله على ذلك وتقرير أن ذلك هو الحقيقة فيه والأصل المعتمد عليه في شأنه لم يستفد من جهة خلوه من ذلك العارض، لأن أقصى ما يفيده هو الظن، وإنما هو مستفاد من استقراء ما اقتضى أن ذلك هو الأصل فيه، كفتاوى وأقضية الصحابة، وأحوال الكلام العربي في ذلك، والقواعد النظرية؛ ومثل ذلك كل مقطوع به في هذا العلم، فإنه لا تستفاد قطعيته من جهة واحدة مظنونة.
يتبع..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *