الصحابة وآل البيت.. إبراهيم الصغير

لقد عاش الصحابة الكرام فيما بينهم أخوة منقطعة النظير يسودها الحب والوئام، والتقدير والاحترام، ولقد كانوا سليمي الصدور على بعضهم، رحماء فيما بينهم…
وآل البيت منهم، بعضهم من بعض، عرفوا لهم قدرهم وأنزلوهم المنزلة اللائقة بهم، أحبوهم أشد المحبة، فخالطوهم وصاهروهم، ولم يمار في هذه الحقيقة الساطعة إلا الشيعة الرافضة، أتباع ابن السوداء، عبد الله بن سبأ اليهودي، المؤسس الحقيقي لدينهم، وأول من قال بفرض إمامة علي وأظهر البراءة من الصحابة وسنَّ لهم دين سب ولعن هؤلاء الأطهار.
يقول النوبختي -من علماء الشيعة-: «وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي -عليه السلام- أن عبد الله بن سـبأ كان يهوديا فأسلم ووالى عليا -عليه السلام-؛ وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى -عليه السلام- بهذه المقالة فقال في إسلامه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمثل ذلك؛ وهو أول من أشهر القول بفرض إمامة علي عليه السلام؛ وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه فمن هناك قال من خالف الشيعة إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية»1 .
فهذا اليهودي الحاقد لم يجد غير ظهور هؤلاء المجوس لتمرير حقده الدفين على الإسلام والمسلمين، بزرعه لأفكاره اليهودية بقالب التشيع وحب آل البيت، فكان مما زرع وصنع، فكرة أن الصحابة كانوا يضمرون العداوة لبعضهم، فكانت هذه الفرية من أعظم أكاذيب التاريخ، وبطلانها لا يحتاج إلى بيان.
هذا ولم يكتف معممو الشيعة الروافض بتمرير أفكاره فقط، بل طوروها وزادوا عليها ما أملته عليهم شياطينهم من زخرف القول، فراحوا يرددون افتراءات باطلة من قبيل أن الصحابة ظلموا أهل البيت، وأن أهل البيت لا يحبون الصحابة، وأنهم كانوا أعداء لهم، لتبدأ حملات العداء المنظمة ضدهم، فلا الرمي بالشقاق والنفاق، ولا التفسيق ولا التكفير، شفى غليل القوم، حتى اتخذوهم غرضا لشتى أنواع الافتراءات والأكاذيب فلم يتركوا فضيلة إلا أنكروها عنهم، ولا رذيلة إلا ألصقوها بهم.
وأهل السنة على دين الفطرة الذي يكرم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، يقول الحق سبحانه: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} الفتح:29.
يقول العلامة السعدي -رحمه الله- مفسرا هذه الآية: «يخبر تعالى عن نبيه» محمد رسول الله و«الذين معه» من أصحابه من المهاجرين والأنصار، أنهم بأكمل الصفات، وأجل الأحوال…. إلى أن قال: «رحماء بينهم»، أي: متحابون، متراحمون، متعاطفون، كالجسد الواحد، يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه».
ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» 2.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومَن نظر في سيرةِ القوم بعلمٍ وبصيرة، وما مَنَّ الله به عليهم من الفضائل، علم يقينًا أنهم خيرُ الخَلق بعد الأنبياء، لا كان، ولا يكون مثلُهم، وأنهم الصَّفوةُ من قرون هذه الأمة التي هي خيرُ الأمم، وأكرمُها على الله»3 .
فهؤلاء هم القرون الثلاثة الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية واتفقت على فضلهم كلمة المسلمين جميعا إلا الرافضة الجهال المغرضون، المعرضين عن آي القرآن وسنة خير الأنام.
الذين اتبعوا منهج بن سبأ اليهودي المنحرف، وتفننوا في الكذب والتزوير، وتزييف الحقائق وقلبها وتأويلها بالباطل، والتركيز على الأخطاء والمثالب وإظهارها على حساب المحاسن، فراحوا يصطنعون الروايات ويلصقونها بالأئمة من آل البيت كذبا وزورا انتصارا لخرافة العدواة المزعومة بين الصحابة وآل البيت، حتى يتسنى لهم الطعن في الصحابة الكرام وبالتالي هدم الدين الإسلامي، ومن جهة أخرى تهييج العوام وتسكيرهم لكسب الود واستمرار مفعول السحر الشيطاني الذي سحروهم به.
وهذه الروايات عورها علم فوق رأسها فلا تحتاج إلى رد أصلا، نوردها فقط لمن انخدع بشعارات القوم المغطاة بالتقية، ونقابلها بروايات الفحول من علماء السنة التي تظهر صفاء العلاقة وسموها بين الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم جميعا، فأعط القوس باريها وباسم الله مجراها ومرساها.
وقد تجاوزت روايات التكفير والتفسيق والاتهام بعدم الإسلام، أو الإسلام طمعا، أو ظاهرا وإضمار الكفر، إلى غيرها من الأساطير التي لا قرار لها إلا في عقول الرافضة المخبولة إلى الروايات المزيفة لحقائق ما جرى بين الصحابة، وإعادة إخراجها لتدل على عداوة شاء لها أصحاب العمائم أن تكون.
صناعة عداوة بين عائشة وعلي رضي الله عنهما
لم يزل الرافضة خلفا عن سلف يتهمون أم المؤمنين بما برأها الحق سبحانه منه، ويقولون عنها أنها تبغض وتعادي عليا وذريته.
يقول نعمة الله الجزائري في أنواره:63: «وأول عداوة خربت الدنيا وبني عليها جميع الكفر والنفاق إلى يوم القيامة هي عداوة عائشة لمولاتها الزهراء عليها السلام».
عداوة لم يعرفها التاريخ إلا في دين الرافضة.
ويذكر الرافضي المعاصر التونسي محمد التيجاني قصة مختلقة مفادها أن عائشة رضي الله عنها لما جاءها خبر موت علي رضي الله عنه سجدت لله شكرا 4.
وقد نسج معممو الشيعة على منوالها أساطير كثيرة تفيد بأن هذه السجدة كانت تفريغا لحقد دفين من عائشة -يوم رميت بالبهتان- على علي الذي أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بتطليقها.
إن من له أدنى مسحة من عقل يدرك فساد قول الرافضة هذا، وذلك أن عائشة رضي الله عنها لم يكن بينها وبين صهرها شيء، أما من كانت له إحاطة ودراية بالصحيح من الأخبار فإنه يعلم قطعا عظيم التقدير والاحترام الذي كانت تكنّه لعليّ وأبنائه رضي الله عنهم أجمعين.
وبإطلالة سريعة على الأخبار الواردة في فضائل علي وآل البيت رضوان الله عليهم نجد أن أغلبها من مرويات عائشة أم المؤمنين، فهل يعقل أن تبغضه وتذكر من فضائله ما ذكرت؟
وحتى حديث الكساء الذي يدندن حوله الرافضة كثيرا، وهو في فضائل آل البيت، روته عائشة رضي الله عنها وخرجه الإمام مسلم في صحيحه، وتعتبر الرواية من طريقها أصح رواية لهذا الحديث.

اختلاق مظلومية للزهراء رضي الله عنها
للمحافظة على مواسم التطبير واللطم وإراقة الدماء، وجمع الخمس، اخترع معممو الشيعة فكرة مظلومية أهل البيت وشرعنوا لها لطم الخدود وضرب الجلود إظهارا للحزن.
وهذه المظلومية كان ولا بد أن تُصنع لها أحداثا ووقائع، حتى تقبل ويكون لها الأثر في النفوس، وإذ لا رادع لهؤلاء القوم فليتوقع المسلمون ما لا يخطر لهم على بال من حكايات يصعب حبكها على غير أحفاد ابن السوداء.
يبتدئ مسلسل الظلم المزعوم هذا من مطالبة الزهراء أبا بكر ميراثها من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد منعها الصديق رضي الله عنه وأرضاه أو «السلطة الغاصبة» كما يحلو للمعممين تسميته، ولا ينتهي عند إحراق بابها، وكسر ضلعها، وإسقاط جنينها، من طرف عمر -رضي الله عنه- كذبا وزورا.
فقد ذكر المخرج نعمة الله الجزائري بعضا من فصول هذا المسلسل، تفيد بأن الزهراء رضي الله عنها جاءت تطلب ميراثها من أبي بكر، فأراد الصديق أن يكتب لها، ومنعه عمر الفاروق، وطلب منها البينة فأتت بها ومنعه مرة أخرى، لترجع الزهراء غاضبة إلى بيتها وتبقى على هذه الحال حتى وفاتها.
وشحن روايته هاته بطعونات فاضحة للزهراء رضي الله عنها ووصَفها بما ننزهها عنه -نحن أهل السنة-.
وفي كتاب سليم بن قيس المتوفى حدود سنة 76: «ثم دعا عمر بالنار فأضرمها في الباب، فأحرق الباب ثم دفعه عمر فاستقبلته فاطمة عليها السلام وصاحت: يا أبتاه يا رسول الله» 5.
وفي الهداية الكبرى للحسين بن حمدان الخصيبي المتوفى سنة 334ه‍: «وجمع الحطب الجزل على النار لإحراق أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وزينب ورقية وأم كلثوم وفضة وإضرامهم النار على الباب.. وأخذ النار في خشب الباب» 6.
وفي مرآة العقول: «فحالت فاطمة عليها السلام بين زوجها وبينهم عند باب البيت، فضربها قنفذ بالسوط… إلى أن قال: فأرسل أبوبكر إلى قنفذ لضربها، فألجأها إلى عضادة باب بيتها، فدفعها فكسر ضلعا من جنبها، وألقت جنينا من بطنها» 7.
روايات لن تجد سبيلا إلى أفئدة العقلاء، لتبقى رائجة بين البلهاء من الشيعة الرافضة يعلمونها عوامهم جيلا بعد جيل، على أنها حقائق ثابتة، في حين أن معمميهم يؤولونها تارة، وينكرونها تارة أخرى.
وفي الختام بعد هذه المحاولة المتواضعة لنسف فكرة العداوة بين الصحابة وأهل البيت من جهة، وبين أهل البيت والصحابة من جهة أخرى، أنقل لكم كلاما نفيسا لعلي رضي الله عنه، يمجد فيه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بما هم أهل له، ويفضلهم على شيعته الذين خذلوه في الحروب والقتال، يقول رضي الله عنه وأرضاه:
«لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فما أرى أحداً يشبههم منكم! لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً، وقد باتوا سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم! كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم! إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفاً من العقاب، ورجاء للثواب»8 .
فأين أحفاد بن سبأ من هذه الأوصاف، ومن التزويج المتبادل بينهم، وتسمية أبنائهم بأسماء الصحابة، الذين امتثلوا وصية النبي في أهل بيته، فبادلوهم التقدير والاحترام، وعاشوا معهم على قلب رجل واحد.
وكلها حواجز تبقى صعبة التخطي على معممي الشيعة للانتصار لفكرة العداوة التي لا وجود لها حقيقة إلا في قلوبهم على الإسلام وأهله، والنبي وصحبه، وحتى أهل بيته.
—————————–
1 – فِرَق الشّيعة: ص:22.
2 – اخرجه البخاري (2530) ومسلم (4706) من حديث عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه-.
3 – العقيدة الواسطية، (ص131)، وكذا “مجموع فتاوى ابن تيمية”(3/156).
4 – ذكرها التيجاني في كتابه “فاسألوا أهل الذكر” (ص:97)، ولم يعزها لأحد.
5 – كتاب سليم بن قيس (ص. 250) ط دار الفنون.
6 – الهداية الكبرى: ص. 407، وكذلك في الصفحات: 179-402 .
7 – مرآة العقول: (5/320).
8 – نهج البلاغة (ص. 143) دار الكتاب بيروت 1387ه‍، بتحقيق صبحي صالح، ومثل ذلك ورد في الإرشاد (ص. 126).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *