مناقشة السياسة والعمل الفرنسي بالمغرب بمجلس النواب – ج. 2 – الأستاذ إدريس كرم

سياسة ليوطي
الجنرال ليوطي يرى أن له طريقة تتمثل في بث الخوف في العدو وذلك كالتالي: “هنا عندما يقبض على 100 رجل، فإن ألفا من الرجال يمرون دون أن تطلق عليهم طلقة واحدة” فإذا أردتم أيها السادة أن يتم احتلال المغرب في مدة أربع سنوات بدل خمسة عشرة سنة وبأقل إراقة دماء فرنسية ومغربية، ابعثوا كثيرا من القوات.
منذ أسابيع صرح جان جريس من هذا المكان: نسجل تناقضا عند متابعتنا في نفس الآن سياسة مزدوجة واحدة لائكية في الداخل وأخرى توسعية في الخارج، وأنا مع الأولى وضد الثانية؛ ومن أجل أن أبقى منسجما مع نفسي أطالب بسياسة لائكية في الخارج أيضا.

المنصرون في مقدمة الغزو
بمجرد إعلان الحماية قامت فرنسا بإجراء مفاوضات مع روما على انطلاق رجال الدين الإيطاليين الذين كانوا قد نصبوا من قبل من طرف رجل الدين الفرنسيين هذه الوضعية أكثر من مسار مماثل للذي نتواجد فيه اليوم
نحن نعرف طبعا أن بالمغرب مبشرين إسبان من الفرنسيسكان موزعون بين مدن طنجة وتطوان والقصر الكبير والعرائش وموكادور وأسفي ومزكان والدار البيضاء والرباط، السكان الكاثوليك في هذه المدن قدروا بحوالي 10000 نسمة.
المعروف أن ساكنة طنجة دوليون، والعرائش وتطوان والقصر الكبير كما أظن ستبقى إسبانية لكن من غير أن ننسى أن مؤسسات الحماية الفرنسية بالمغرب التي ستقام تباعا سيرتفع معها السكان الأوربيون بالمدن الساحلية وبالداخل بشكل سريع وضخم، وكما نعتقد أن الأوربيين القادمين ليتمركزوا بالمدن سيكونون من العنصر اللاتيني، فسيكونون من الكاثوليك، وهو ما يعني أن رجال الدين الإسبان سيعوضون نظراءهم الفرنسيين بالمغرب، برلمانيو اليسار لا أحد سيمنعهم.
– دوشابدلين: طبيعي أن يسكن مبشرون إسبان ذوي مكانة في مغربنا، الآن أقول بأن الوضعية التي نوجد عليها بالمغرب في هذا المجال شبيهة بالتي كانت لنا في تونس في بداية احتلالها، وإن كانت ليست بالضبط، وأرى أن أخطر ما في الأمر أن يقوم جيراننا بالعمل عينه مع الإسبان، ما يجعل الحكومة الفرنسية تطلب من المبشرين الإسبان مغادرة المغرب أو تعوضهم بمبشرين فرنسيين، وعليه فيجب حل هذه المسألة مع روما رسميا وليس في الكواليس، ألفريد برارد لنتحدث عن المغرب.

محنة القوات الفرنسية بالمغرب
– دوشابدلين: اسمحوا لي أيها السادة بتلاوة رسالة توصلت بها مؤخرا من أحد ضباطنا من الخطوط الأولى في قوات الاحتلال بالمغرب:
“الوضعية في ناحيتنا جد سيئة، إذا لم تلتفت فرنسا بسرعة وتبذل المجهود اللازم فإني لا أعرف ماذا سيحدث، جميع القبائل ترتد شيئا فشيئا كل يوم ككرة الثلج تكبر بسرعة وستصبح صعبة الإدارة، نحمد الله على أن ثورة فاس ولدت قبل استوائها، أو أنها انفجرت قبل أن يتم استعداد القبائل للتحرك لدعمها، يلزمنا قائد وقوات، القائد وجدناه في الجنرال ليوطي أما القوات فلا أعرف ماذا سنفعل؟”.
أنا مثل هذا الضابط لا أعرف من أين سنأتي بالقوات؟ جميع مصادر قواتنا تأتي من المستعمرات التي أنهكت، جزء كبير منها لم يلتحق بالمغرب بعد، وإذا كان صحيحا أن ثلاثة أرباعها من الجزائر فيمكن أخذ الدعم منها، الحكومة هي التي يمكن أن تمدنا بالمعلومات في هذا المجال.
– الرئيس: أعطي الكلمة لجاك لويس ليغني النقاش حول الأسباب التي حرضت القبائل على القيام بتلك الأعمال وعمليات الجنرال ديت في تافردايت.

ثورة 17 أبريل
– جاك لويس: فرنسا ترتجف وفي حداد على قتلاها من الأولاد الذين يموتون يوميا في بلاد المغرب، لن أصف لكم بالتفصيل ما وقع بفاس يوم 17 أبريل، عند قراءة التقرير نجد فيه أن ثكنة اشراردة التي هي أكبر وأهم ثكنة بفاس، حيث سينتقل راتب العسكري الشريف بها من خمسة بليون لستة بليون، والبليون عملة حسنية تعادل بعملة البلد (فرنسا) 25 سنتيم.
وبذلك سيرتفع راتب العسكري بليون، لكن في نفس الوقت سيقتطع من تلك الستة بليون أربعة بليون، من أجل التغذية، والإقامة في الثكنة، وهو بالنسبة لهؤلاء الجنود الذين ليسوا إلا مرتزقة، عمل مرفوض وغير مقبول وخطير، يجب أن نعرف جيدا كيف هي الحياة العائلية لهؤلاء الجنود؟
المغاربة مثل جميع شعوب الشرق، يتصفون بالقناعة، ويعيشون بالقليل، العسكري يحتفظ بالقسط الأوفى من راتبه لمعيشته وأهله، أو العيش مع المجموعة التي ينتمي إليها داخل الثكنة، ينفق منها على النساء والأطفال، بحيث لا يتجاوز مصروفه اليومي في المتوسط البليون، أي 25 سنتيم بعملتنا الفرنسية، وفجأة فرض عليه نظام جديد للحياة في الثكنة، يقتضي اقتطاع ثمن إعاشة، وإقامة مشتركة، يقدر بأربعة بليون من الخمسة أو الستة بليون المعطاة لذلك الغرض، مما يعني ليس فقط حرمان عائلة العسكري من المورد الذي تعيش منه، وإنما القضاء على نمط حياته بتمامه، سواء الفردي المتمثل في جماعة من العسكر الصغيرة المختارة، أو عائلته المكونة من نساء وأطفال، وتعريضها للفاقة والحرمان، باعتبار أن ذلك الراتب هو موردهم الوحيد للعيش، مما يعتبر تدبيرا متطرفا خطيرا.
ومن هذه اللحظة يقول التقرير بدأ التمرد في قصبة اشراردة، وعندما أعلن الانفجار بدأ إطلاق النار، أحد كبار موظفي المخزن الباشا البغدادي باشا فاس الذي عين غداة الثورة باعتباره أكبر الموالين لفرنسا، توجه في الوقت المناسب نحو الهدف كما سأشرحه.
بعد عدة طلقات استجاب لها الجنود المنتشرون في المدينة، بإسراعهم نحو طوابيرهم لاستنهاض زملائهم، بينما تم تفويض آخرين للتوجه نحو قصر السلطان ليقدموا له شكاياتهم ومطالبهم من أجل إنصافهم، وتحقيق العدالة بالنسبة لهم.
كما أشرت منذ قليل أن وضع السلطان في نظر هذه القوات، لم يعد له نفس المكانة التي كانت له في المغرب قبل دخولنا عاصمته، بحيث لم يعد بمقدوره ممارسة نفس السلطة التي كانت لديه على الجنود بحيث صارت أوامره غير مطاعة من طرف أولئك الجنود مما يشكل أمرا خطيرا، بالرغم من محاولته وحاشيته التعجيل باستدعاء من بقي مواليا من الجنود بشكل من الأشكال.
لكن فجأة جاء ممثلون عند السلطان مولاي حفيظ، الذي حاول تهدئة المطالبين بالإنصاف، فلم يفلح وانتشر الثوار بسرعة في المدينة، ولحق بهم السجناء بعدما فتحت عليهم أبواب السجن، لا ننسى أن مدينة فاس تعتبر في هذه الناحية من المغرب، في نظر الجنود الشريفة، بأنها مدينة الغنى والرفاهية والمتعة، وأن مقاتلة الرومي والنصارى، مقرون بالنهب والغصب والقتل، في مثل هذا النوع من العمليات. (ص:293)
وهكذا تجمع البعض في المدينة متوقفين بالملاح لنهبه، والآخرون قاموا بقتل الفرنسيين من الذين التقوا بهم في الشارع، أو الذين أخذوا من منازلهم، تلك هي الظروف التي أحاطت بظهور الثورة التي أفرزت بعد تلك الأيام ثورة عامة للقبائل المحيطة بالعاصمة فاس.
للتذكير فمنذ يناير الماضي عندما كنت في رحلتي بفاس كانت القبائل ثائرة في ناحية صفرو على بعد 25 كلم جنوب فاس. وفي أواخر شهر مارس قام كولون مكون من ألفين من الجنود ضمنهم عساكر شريفة بعمليات ضد بني سدان، واولاد الحاج، وهما قبيلتان هامتان من قبائل صفرو.
كل الجهة المحتلة في الشرق من بني وراين وآيت يوسي جنوب صفرو، أو في اتجاه الشمال الشرقي، غياتة، والتسول جوار تازة، بدأوا في الغليان لأنهم علموا بالتحضيرات للسير نحو انتزاعها منهم.
كل هذه القبائل دخلت في غليان بعد يومين أو ثلاثة من بداية الثورة، قبائل الشمال، ولحياينة، واشراكة التي عادة تكون خاضعة، دخلت مع المنشقين في هذه الحركة، سواء الخاصة بالعسكر أو بالقبائل، وتم التهييء لها منذ سنة تحت سمع وبصر كبار القادة، ومصلحة المعلومات عمياء تحلم بالغزو؛ أكرر بأن الحركتين متزامنتين. لماذا مصلحة المعلومات لم تقل شيئا ولم تتوقعه؟ ربما لأنها كانت مشغولة بأمر آخر، منشغلة بما يمر في السماء عوض مراقبة ما تحت أقدامها.
– السيد جوريس: لقد كانت تبحث عن النجوم.
– جاك لويس دوميسلين: المشكلة في رأيي إذن هي أني أقترح إعادة وضع السؤالين منفصلين، ومعالجتهما بالتفاصيل الممكنة أولا بأول. التمرد العسكري كما بدا لي ولكل من خبر المسألة بتجرد ونزاهة، والذي جمعته للمجلس من عدد من الآراء للذين سكنوا فاس وراسلوني منها منذ الواقعة.
يبدو أن الوضعية العسكرية لم تكن مرضية بالتأكيد، والاستياء كان يتراكم وإن ببطء، فالثورة ثورة جنود مرتزقة، يرفضون بعض الإلزامات التي لا تعود عليهم من جهة بفائدة، ومن جهة أخرى تجعلهم قلقين من المستقبل، بعدما سمعوا كلاما سابقا بالمدينة عن ولاء السلطان، الذي اتهم الفرنسيين في حالة من الانفعال بعدم الوفاء، مما جعل الجنود يتساءلون عن مآلهم في حال ما إذا غادر عاهلهم فاس؟
ذلك ما سيقربنا من معرفة سبب ثورة 17 أبريل بالعاصمة. (ص:294)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *