آيات تفهم على غير وجهها (سورة مريم) إبراهيم الصغير

قوله تعالى: {وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً}13.
و«زكاة» لا تعني الزكاة التي هي الركن الثاني من أركان ديننا الحنيف.
قال الطبري، وقوله:(وَزَكاةً) يقول تعالى ذكره: وآتينا يحيى الحكم صبيا، وزكاة: وهو الطهارة من الذنوب، واستعمال بدنه في طاعة ربه، فالزكاة عطف على الحكم من قوله (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ).
قال الماوردي: {وَزَكَاةً} فيها هنا ثلاثة تأويلات: أحدها: أنها العمل الصالح الزاكي، قاله ابن جريج. الثاني: زكيناه بحسن الثناء كما يزكي الشهود إنساناً. الثالث: يعني صدقة به على والديه، قاله ابن قتيبة.
قال البغوي: (وزكاة) قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني بالزكاة الطاعة والإخلاص. وقال قتادة رضي الله عنه: هي العمل الصالح، وهو قول الضحاك ومعنى الآية وآتيناه رحمة من عندنا وتحننا على العباد، ليدعوهم إلى طاعة ربهم ويعمل عملا صالحا في إخلاص. وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق الله بها على أبويه.

قوله تعالى: {فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ}23.
(فَأَجَاءهَا) خلاف جاءها، بل معناها ألجأها وجاء بها.
قال ابن كثير: وقوله تعالى: {فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ} أي: فاضطرها وألجأها إلى جذع النخلة.
قال العلامة القاسمي: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ أي: فألجأها ألم الولادة إلى الاستناد بالجذع لتعتمد عليه وتستتر به. و(أجاء) -قال الزمخشريّ- منقول من (جاء) إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء.
قال العلامة بن عاشور: وأجاءها معناه ألجأها، وأصله جاء، عدي بالهمزة فقيل: أجاءه، أي جعله جائيا. ثم أطلق مجازا على إلجاء شيء شيئا إلى شيء، كأنه يجيء به إلى ذلك الشيء، ويضطره إلى المجيء إليه. قال الفراء: أصله من جئت وقد جعلته العرب إلجاء.
وقيل معنى (فَأَجَاءهَا) فاجأها من المفاجأة ولكن ذلك بعيد والله تعالى أعلى وأعلم.

قوله تعالى: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً}28.
«أخت هارون» تشكل في الفهم إذا لم نعرف من هارون؟ هل هو أخ موسى أم لا؟
قال الطبري: اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله قيل لها: يا أخت هارون، ومن كان هارون هذا الذي ذكره الله، وأخبر أنهم نسبوا مريم إلى أنها أخته، فقال بعضهم: قيل لها (يَا أُخْتَ هَارُونَ) نسبة منهم لها إلى الصلاح، لأن أهل الصلاح فيهم كانوا يسمون هارون، وليس بهارون أخي موسى. فعن قتادة، في قوله (يَا أُخْتَ هَارُونَ) قال: كان رجلا صالحًا في بني إسرائيل يسمى هارون، فشبَّهوها به، فقالوا: يا شبيهة هارون في الصلاح.
قال العلامة بن عاشور: فقوله تعالى: يا أخت هارون يحتمل أن يكون على حقيقته، فيكون لمريم أخ اسمه هارون كان صالحا في قومه، خاطبوها بالإضافة إليه زيادة في التوبيخ، أي ما كان لأخت مثله أن تفعل فعلتك، وهذا أظهر الوجهين.
ففي (صحيح مسلم) وغيره عن المغيرة ابن شعبة قال: (بعثني رسول الله إلى أهل نجران فقالوا: أرأيت ما تقرؤون يا أخت هارون وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال المغيرة: فلم أدر ما أقول، فلما قدمت على رسول الله ذكرت ذلك له، فقال: ألم يعلموا أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم). ففي هذا تجهيل لأهل نجران أن طعنوا في القرآن على توهم أن ليس في القوم من اسمه هارون إلا هارون الرسول أخو موسى.
قال العلامة السعدي:{يَا أُخْتَ هَارُونَ} الظاهر، أنه أخ لها حقيقي، فنسبوها إليه، وكانوا يسمون بأسماء الأنبياء وليس هو هارون بن عمران أخو موسى، لأن بينهما قرونا كثيرة.
ولفظتي الأخ والأخت في القرآن لا تأتيان دائما على حقيقتهما بمعنى أخوة القرابة. قال تعالى: {وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها} الزخرف:84.
قال ابن الجوزي: فعلى هذا يخرج في معنى (الأخت) قولان: أحدهما: أنها الأخت حقيقة.
والثاني: المشابهة، لا المناسبة، كقوله تعالى: {وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها}.
وقال عز وجل: {واذكر أخا عاد}الأحقاف:21.
فـ(أخا عاد) هو هود عليه السلام ولم يكن أخا لأحد من قومه.
قال العلامة بن عاشور: والأخ يراد به المشارك في نسب القبيلة، يقولون: يا أخا بني فلان، ويا أخا العرب، وهو المراد هنا وقد يراد بها الملازم والمصاحب، يقال: أخو الحرب وأخو عزمات.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة: (أنت أخونا ومولانا).
وهو المراد في قوله تعالى: {كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون} الشعراء:160.
ولم يكن لوط من نسب قومه أهل سدوم.
قال الماوردي: {واذكر أخا عاد} وهو هود بعث إلى عاد، وكان أخاهم في النسب لا في الدين لأنه مناسب وإن لم يكن أخا أحد منهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *