براءة الإسلام والمسلمين من افتراء الغريب وسفاهة القريب عبد المغيث موحد

في خضم حرب الخليج الأولى توجه الإعلامي الفرنسي “برنار بيفو” إلى المستشرق المعروف “جاك بيرك” قائلا: “أمامك ثلاثون ثانية كي تقول للفرنسيين ما إذا كان القرآن أداة حرب أم لا؟!”.

ونحن إذ نعرض لمثل هذا الابتسار المتعمد لا يعنينا كمسلمين إجابة هذا المستشرق لأمته الفرنسية أكانت بالإيجاب أو بالنفي، بقدر ما يعنينا أن نقف لنرى ما خلْف هذه الأسوار العالية التي اشترك في إقامة صرحها يدا في يد “بنو علمان” و”عباد الصلبان” ليؤسسوا وعلى غفلة وحجاب عنا نظرتهم إلى “الإسلام العدو”، ذلك الدين القيم الذي نقشت صورته بأفعال فعَّال، ورسمت في الوجدان الغربي وبقيت لقرون ولا تزال إلى اليوم ولا بديل عن كونه ديانة السيف أو الحرب المقدسة.
وقد يلتمس المرء المعذرة اعتدالا لا تعديلا للبعض من هذه الكثرة في العالم الغربي وفي دائرة الكفر طبعا, ذلك أن هذه الكثرة ليست كيانا واحدا مصمَّتا بل هي كيان مركب فيه الحاقدون والمنصفون والمحايدون، ولكل حوض يستقى منه فكرة، فهناك الحكومة، وهناك الشارع، وهناك المؤسسة الإعلامية، وهناك الأوساط الأكاديمية، هذا من جهة، إضافة إلى طغيان صخب الخطاب التحريضي ذو اللسان العربي المبين تارة، والإفرنجي تارة أخرى، والذي أنشأ ما بات يعرف بالفئة المضللة. ونحن ننظر فيما سقناه آنفا كيف أن مصدرنا الأول في التشريع قد اختصر اختصارا مجملا مذموما، وكأن غاية إنزاله من السماء جاءت محصورة في شرعنة العنف، وتبرير القتل. ثم انظر إلى ذلك الاختزال الخطير للزمن في وجه المجيب ثلاثون ثانية بمعدل تدبُّر حزبين في الثانية!.. زد لرصيد المعذرة أننا نحن المسلمين وقد ولدنا في بيئة وتربينا في حضن فكر كنا ولا نزال ننظر من خلاله إلى ديننا الحنيف أنه دعوة إلى الله تتميز بالإخلاص الشديد له، والتمسك الوثيق بتوحيده، والاحترام الجلي لجميع أنبيائه ورسله الذين يلتقون جميعهم على هدف واحد أكبر، أوجزه القرآن الكريم في قوله تعالى: “وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ”. فإن تحول النصرانية بالمقابل، ذلك التحول الخرافي وفسادها كديانة محرفة بحيث أصبحت كعقيدة تؤمن بفكرة التثليث، وأن عيسى بن الله تارة، وأخرى هو الإله الذي صلب وقتل ودفن ليقوم من مرقده في ثالث يوم ليعرج إلى السماء ويحكم من على عرشه مملكة الأرض والسماء، ثم أن هذا الاعتقاد لم يبق حبيس أسفارهم المحرفة بل عمد جمهور القساوسة والرهبان إلى تصديره لأجيالهم التي ولدت وهي تعيش فراغا روحيا جراء ما كان سائدا من صراع بين سلطة قيصر وسلطة “الإكليروس”، وقد كان هذا التصدير شبيها إلى حد كبير بعملية حقن الإنسان بمادة سائلة في دمائه وتغذت بها جوارحه، فأصبح لا يرى ولا يحكم إلا تحت وطأة مفعولها، ففي الوقت الذي نرى فيه مثلا نحن المسلمين في عيسى عليه السلام أنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فإن نصرانية الغرب الجديدة لا ترى في نبينا عليه الصلاة والسلام إلا “أعرابيا مفتريا” ولا تتحرك إلا صوب النيل منه والعداوة لرسالته والإزراء على أتباعه، أضف إلى ذلك أن آليات ومفاهيم تأصيل الفكر الإسلامي خارج البيئة العربية ظلت قاصرة لم ترقَ إلى ما راكمه تاريخ أسلافنا الذين أخذوا على عاتقهم تصدير دعوة محمد عليه الصلاة والسلام ورسالته إلى العالمين, وهذه قبورهم المتناثرة بين السند والهند شاهدة على وظيفتهم الدعوية, فهم كانوا وسيبقون في كتب التاريخ وفي ذاكرة الأشراف أهل الحق وأرحم الناس بالخلق، يأتون بالناس في أغلال ليدخلوا الجنة بسلام.
لقد كان للمدِّ الإسلامي من القوة والنفوذ ما كان كفيلا بحث الشعوب على أن تخطو بثبات نحو الإسلام بل وعبر بوابة اللغة العربية لكن اليوم ومع اشتداد تباطئ التيار الدعوي الموجه خارج جغرافية العالم الإسلامي حدثت فجوة هائلة ظلت تشتد اتساعا بين مصادر الإسلام وواقع الشعوب غير المسلمة، مما ساهم في قطع الروافد والتعاليم اللازمة عن جنس الإنسان الغربي، بل وساهم في جعل قضايا الإسلام الفكرية عائمة هائمة محجوبة حتى على أولئك الذين حملوا شارة إطلاق الأحكام الجائرة على ديننا الحنيف، وهذا واضح جليّ في معظم حواراتهم عن الإسلام حيث تتكرر دوما عبارة “إنني لا أعرف شيئا عن الإسلام ولكن..!”.
وما زاد الطين بلة أن الأمة التي نزل القرآن بلسانها لسان عربي مبين، كان الواحد من الأجداد أيام الجاهلية يشرب الماء فيخرجه شعرا ينبض بالحكمة، ويشرب الخمر فيخرج شعرا موسوما بالغزل والمجون، هؤلاء الأجداد الذين قال في حقهم رب العزة والجلال: “وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ”، اليوم أحفادهم يحتاجون إلى من يفصل آياته ويشرح ألفاظه، لغته لغة الضاد بلسان أعجمي سقيم، ذلك أن هذه الأجيال المستنسخة ما فتئت تنادي واستجابة لدواعي الحداثة ومتطلبات “النهضة والتطور” بإلغاء لغة القرآن وإبدالها بما يصطلح عليه اللغات المحلية لغات العلم والمعرفة، حتى أضحى من يجيد التكلم بها شعرا ونثرا ولا يحسن غيرها في تعداد الأعراب الأميين، وأنا لا زلت أذكر ما كنت قرأته في مجلة “الوعي الإسلامي” عن تلك الحادثة التي عمد كاتب المقال الاستفتاح بها قائلا: “بعد أن انتهى المؤذن من رفع النداء، نهض الإمام الذي كان قد اعتلى المنبر ليسرد خطبته العصماء، لكن الرجل ظل منهمكا في قراءة جريدته الفرنسية، وعندما حاول جاره في الصف أن يلفت نظره إلى ضرورة الاستماع إلى الخطبة، رد ببساطة وبكل برود ودون أن يرفع بصره عن السطور والصور أنه لا يخاطبني! يعني الإمام طبعا”.
هذه ليست قصة سمجة من نسج خيال الكاتب بل هي كما يحكي واقعة مرة عاشها في أحد المساجد التي تعجّ بآلاف المصلين يوم الجمعة وفي بلد إسلامي عريق، فما الذي يا ترى دفع الوضع في هذا المنزلق المتعرج الخطير؟!
هذا الوضع الذي كان قبله المسلمون حراس العقيدة الصحيحة وحماة الشريعة السمحة يواجهون بصبر وعلو همة مسؤولية حمل وتبليغ رسالة الإسلام إلى غير الشعوب الناطقة بلغة القرآن، ويستشعرون ضخامة هذه المهمة وخطورتها، ورغم ما تميز به حراكهم الدعوي من جهد وبلاء حسن إلا أن الانجاز لم يصل إلى مستوى الآمال بل وقف دونها بمراحل، وهم اليوم يعانون في ظل هذا الوضع الجديد وعلى تربة أوطانهم الإسلامية غربة حمل الحق والتمسك بآثاره والثبات على سبيله.
فعذرا أيها الراغبون في الإسلام التواقون للعيش في ظل سماحة أحكامه، عذرا سكان الأرض، إن أبناء الإسلام باتت تتسابق على ملء “أجندة” تطلعاتهم أولويات زائفة وأصبحت شروط تحقيق الخيرية لهم ولأمنهم بعيدة كل البعد عن آليات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فيا للحسرة ونحن أمة مقدورها وبكل ثقة وقوة وعطف ورحمة أن نقدم السعادة للمغمورين في شقوة الحياة وضنكها” وأن ندُل أهل الضلال على طريق الهدى الذي ليس بعده هدى، ويا للخسران أن نتخلى عن عنوان الخيرية وأن نحيد عن سبيل الدعوة لله والنصح لعباده ونكتفي بأن نربت على شهوات الناس وتصوراتهم المنحرفة ثم إذا أتانا الهارب من عبادة الصلبان والبقر والأصنام راغبا في اعتناق الحنيفية السمحة تصدى له أهل الإغراب الجدد ليقدموا له إسلاما جديدا، أدوات شعائره طبل وناي ومزمار، وصلاته شطح وحضرة وذكره زعق ونعق، وحجه شد الرحال إلى دعاة النبوة الجدد أهل المنامات والمزارات وقرآنه أوراد يتلقاها الشيخ السالك عن طريق الكرامات والمنامات، وصكوك غفرانه الذبح على ساكني القبور وصحابة أدعيائه مجاذيب “عيساوة” و”كناوة” و”هدَّاوة” وهلم جرّ من أسماء الفسوق والطرق الوعرة الملتوية، والسبل الحبلى بالسالكين الجدد الذين وطئت أقدامهم منزلة الفناء فسقطت عنهم تكاليف “العوام والأغمار” فهم “رضي الله عنهم وقدس سَيرهم وسِيرهم” لا يصلون ولا يزكون ويأكلون ويشربون ويرفتون، لا يصومون فالمقام مشاهدة وقرب وإحسان، والوعد بالجنة والمنزلة العليا قد أشر وبشّر به الشيخ مريده، فلا داعي إلى كلفة ولا حاجة إلى إخلاص ومتابعة، فالذكر أكبر من كل ذلك، وتلك سبحتهم في جيدهم كأنها الحبل من مسد شاهدة على ملازمتهم لحلق الذكر حيث “سمفونية” “هو، هو” فمن يا ترى هو؟!
فإلى الله المشتكى وإليه الأمر من قبل ومن بعد يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو القائل سبحانه وتعالى: “أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *