إلى بيت المقدس وما حوله يعود الخلق والأمر وهناك يُحشر الخلق

 

 

فلسطين أولُ بلدٍ عربي فتحه المسلمون في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 15هـ، وبينها وبين فتح مكة 6 سنوات، فنشروا فيه الإسلام، وفيها وُلدَ وبُعثَ كثيرٌ من  الرُّسل عليهم السلام، الذين جاء ذكرهم في القرآن الكريم، فهي أُولى القبلتين ومسرى خاتم النبيين، فمنذ أربعة عشر قرناً ظلت فلسطين بلداً إسلامياً عربياً لها مكانةٌ خاصةٌ في قلوبِ المسلمين في مشارقِ الأرض ومغاربها.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “وقد دلَّ الكتاب والسنة وما رُوي عن الأنبياء المتقدِّمين عليهم السلام، مع ما عُلم بالحس والعقل وكشوف العارفين، أنَّ الخلق والأمر ابتداءً من مكة أم القرى، فهي أمُّ الخلق، وفيها ابتدأت الرسالة المحمدية التي طبق نورها الأرض، وهي التي جعلها الله قياماً للناس، إليها يصلون ويحجون، ويقوم بها ما شاء الله من مصالح دينهم ودنياهم، فكان الإسلام في الزمان الأول ظهوره بالحجاز أعظم، ودلَّت الدلائل المذكورة على أن “ملك النبوة” بالشام، والحشر إليها، فإلى بيت المقدس وما حوله يعود الخلق والأمر، وهناك يُحشر الخلق، والإسلام في آخر الزمان يكون أظهر بالشام، وكما أن مكة أفضل من بيت المقدس، فأول الأمة خير من آخرها، كما أنه في آخر الزمان يعود الأمر إلى الشام كما أسري النبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى”. (انظر مجموع الفتاوى 27/43-44).

وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير آية الإسراء {..إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله{: “هو بيت المقدس الذي بإيلياء، معدِن الأنبياء من إبراهيم الخليل عليه السلام ولهذا جُمعوا له هناك صلى الله عليه وسلم كلُّهم، فأمَّهم في محلَّتهم ودارهم، فدلَّ على أنَّه صلى الله عليه وسلم هو الإمام المعظَّم والرئيس المقدَّم” (انظر تفسير ابن كثير 3/22).

أمَّا بيت المقدس “القدس” فهو عاصمة فلسطين، وفيه المسجد الأقصى أُولى القبلتين، حيث أُسري بالرسول صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعُرج به إلى السماء.

لبيتِ المقدِسِ أسماءٌ كثيرةٌ، وضعتها الأممُ الماضية، وقد ذكر ابن حجر رحمه الله أنَّ لبيتِ المقدس عدةَ أسماء تقرب من العشرين، وقد قالوا: إنَّ كثرة الأسماء تدل على علوِّ مكانة المسمَّى، فمن أسمائها: مدينة السلام (أور سالم)، يَبُوس، إيلياء… الخ.

أمَّا اسم “القدس” فقد غلب على المدينة بعد العصر الأُموي في بلاد الشام خاصة، كما ذكره ناصر خسرو في رحلته سنة (438هـ)، أما اسم القدس فما عُرف وشاع إلاَّ بعد القرن الرابع هجري، فكان الأولى تسميتها بـ”بيت المقدس”، أو “المسجد الأقصى” أو نحوه من الأسماء التي وردت في الشريعة.

ومن أقدم من ذكرها باسم القدس أبو العلاء المعرِّي المتوفى (449هـ)، إذ قال:

واخلعُ حِذاكَ إذا حاذَيْتها وَرَعاً       كفِعْلِ موسى كليمِ الله في القُدُس

(انظر ما سبق “فتح الباري ” لابن حجر (3/64)، و” الأنس الجليل” لمجير الدين العُليمي (1/69)، و”بيت المقدس” لمحمد شُراب ص 33-37).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *