رغم أنها صدرت عن هيئات ومؤسسات دستورية تمثل المغاربة، ورغم أنها صدرت عن أهل الاختصاص، ولم تصدر عن تيار إسلامي، أو حزب أو جماعة أو شيخ أو داعية محسوب على الإسلاميين، ولم تستورد من الشرق أو من الخليج ولا من تركيا أو باكستان، إلا أن فتاوى عديدة للمجلس العلمي وهيئته المكلفة بالإفتاء، وفق ضوابط وقواعد ومعايير صارمة، لم ترق للتيار الحداثي، وبدأ برمي سهامه وتهمه الجاهزة المعلبة، وأحكامه المحكومة بخلفية علمانية غربية دخيلة على المغاربة وهويتهم وثقافتهم، ليتضح أن مشكلة هذا التيار من الإسلام ومصادره، وليس من تيار أو جماعة أو حزب، ومن تلك الفتاوى التي أثارت حفيظة الحداثيين نجد:
زواج المغربيات بغير المسلمين
زواج المسلمة بغير المسلم، برأي المجلس العلمي الأعلى مسألة وردت فيها نصوص شرعية قطعية الدلالة، واضحة المعنى، تمنع زواج المسلمة بغير المسلم، وتحرمه تحريما قطعيا، سواء أكان مشركا أو كتابيا، «وأجمع علماء الشريعة وفقهاءها على ذلك خلفا عن سلف، ولم يقل أحد منهم بخلاف ذلك، واستدلوا على تحريم هذا النوع من الزواج بآيات قرآنية صريحة».
تعدد الزوجات
التعدد حسب المجلس العلمي، من الثوابت الدينية الشرعية، «أجمع عليه أئمة الأمة وعلماءها سلفا وخلفا، حيث وردت به نصوص شرعية، قطعية الدلالة في مشروعيته وجوازه، ولا تحتمل أي اجتهاد أو تأويل على خلاف ما دلّت عليه».
وهو حكم شرعي نبّه علماء المجلس الرسمي إلى أنه مقيّد بقيد دقيق، «تتحقق به المساواة المطلوبة شرعا بين الزوجتين، فيما يجب لهما على الزوج من حقوق مادية ومعنوية، وهو العدل والإنصاف بينهما في تلك الحقوق، وعدم التقصير فيها بالنسبة إلى أحداهما على حساب الأخرى».
حكمة مشروعيته في الإسلام تتجلى في كونه حلا اجتماعيا وإنسانيا لصالح المرأة والرجل على السواء، «يتحقق به الحفاظ على استمرار الحياة الزوجية وميثاقها في الحالات التي يثبت فيها عقم الزوجة، ويرغب الزوج في إنجاب الأولاد، أو تصاب الزوجة الأولى بمرض يتعذر معه الاستجابة للمباشرة الشرعية المعتادة بين الزوجين، بدل حصول الافتراق بين الزوجين بالطلاق، بعد قضائهما سنوات من الحياة الزوجية والمعاشرة الطيبة بينهما».
المساواة في الإرث
لخّصت الهيئة العلمية التابعة للمجلس العلمي، رأيها في مطلب المساواة في الإرث الذي ترفعه بعض الأصوات النسائية، بالقول إن هذه القضية المتعلقة بتوريث الذكر أكثر من الأنثى في بعض الحالات، وردت فيها آية المواريث وغيرها من آيات أخرى، «والتي يقول فيها الحق سبحانه: «يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين»… ومن ثم، فإنه لا مجال للرأي في طلب التسوية بين الرجل والمرأة في الإرث، إذ لا اجتهاد مع وجود النص كما هو مقرر في القاعدة الأصولية الفقهية عند علماء الشريعة».
حق الطلاق للرجل فقط
«إن أمر الطلاق وشأن إيقاعه، جعله شرع الإسلام بيد الزوج، بحكم ما أوجب عليه وأناط به من مسؤولية القوامة على الزوجة والأسرة»، تقول إحدى فتاوى المجلس العلمي الأعلى، مستدلة بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، لم يجعل حق الإقدام على خطوة الطلاق بيد الزوجة… «هناك نصوص شرعية صريحة في جعل الطلاق بيد الزوج، أجمع الأئمة على التمسّك بها سلفا وخلفا، إلا في حالات خاصة منصوص عليها في المؤلفات الفقهية ومدونة الأسرة المغربية».
حد الردة
اعتبرت الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء، أن شرع الإسلام ينظر إلى حرية العقيدة بنظر مختلف عن معتنقي الديانات الأخرى، «ويدعو المسلم إلى الحفاظ على معتقده وتديّنه، وإلى التمسك بدين الإسلام وشرعه الرباني الحكيم، ويعتبر كونه مسلما بالأصالة من حيث انتسابه إلى والدين مسلمين أو أب مسلم، التزاما تعاقديا واجتماعيا مع الأمة، فلا يسمح له شرع الإسلام بعد ذلك بالخروج عن دينه وتعاقده الاجتماعي، ولا يقبله منه بحال، ويعتبر خروجه منه ارتدادا عن الإسلام وكفرا به، تترتب عليه أحكام شرعية خاصة، ويقتضي دعوته إلى الرجوع إلى دينه والثبات عليه، وإلا حبط عمله الصالح، وخسر الدنيا والآخرة، ووجب إقامة الحد عليه».
ورغم تراجعها عن هذه الفتوى، وتقييدها بالخيانة العظمى، إلا أن التيار الحداثي لايزال في كل مرة يثيرها ويذكر بها.
تطليق من اكتشفت أن زوجها بهائي
جوابا عن سؤال من امرأة مقيمة بالولايات المتحدة الأمريكية، بشأن امرأة مسلمة تبيّن لها أن زوجها بهائي، اعتبر المجلس العلمي الأعلى أنه «لا يجوز لأية امرأة مسلمة تومن بالله وبنبيه ورسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وباليوم الآخر أن تتزوج بمن يعتنق الديانة البهائية، ولا يحل لها ذلك بحال من الأحوال لأنه يعتبر كافرا في شرع الإسلام…».
وتأسيسا على ذلك، «وعملا بشريعة الإسلام وأحكامها الربانية الحكيمة، فإنه لا يجوز للمرأة المسلمة المستفتية التي تبين لها وتحقق عندها أن زوجها بهائي، أن تستمر معه في العلاقة والمعاشرة الزوجية، ويتعين عليها أن تتوقف عنها وتمتنع عنها وتفارقه في الحين، وأن تعلم أن أية علاقة تقيمها معه حينئذ، هي معاشرة غير شرعية وعلاقة آثمة، لا ينبغي أن ترضاها وتسمح بها بوصفها امرأة مسلمة، متمسكة بدينها وشرع ربها الإسلامي الحنيف، ومحافظة على أحكامه ظاهرا وباطنا، سرا وعلنا. وفيما يرجع لحكم معاشرتها الزوجية له قبل اكتشافها لبهائيته، لا حرج عليها في ذلك ولا إثم لانتفاء علمها به».
المسلمة لا ترث والدها المسيحي
جوابا عن سؤال ورد على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية من مواطن فرنسي من مرسيليا، قال علماء المجلس العلمي الأعلى إن الفقهاء زادوا موضوع التوريث بين أناس بيانا، وتوضيحا شافيا في مختلف كتبهم الفقهية، «فأبانوا عن أسبابه وشروطه وموانعه، وعن كثير من أحكامه ومسائله». ومن موانع التوارث التي قال المجلس إنها منصوص عليها شرعا، «اختلاف الملتين بين المتوارثين، بحيث يكون أحدهما مسلما والآخر غير مسلم، وهو ما نص عليه فقهاء المذهب المالكي في مؤلفاتهم المشهورة.
وبناء على كل ما سبق، فلا يسوغ لهذه المرأة التي اعتنقت الإسلام أن ترث شيئا من أبيها غير المسلم، ولا يجوز لها ذلك حسب الأحكام الشرعية الإسلامية».