جرائم فرنسا الباردة بالمغرب ذ.إدريس كرم

 

جرائم فرنسا الباردة بالمغرب

نقصد بالجرائم الباردة، الأفعال المدنية التي تمت في حق الإنسان والمجتمع للقضاء على مقوماته الحضارية والإنسية، اعتمادا على ما كتبه نقيب المحامين بمكناس 1954 “بول بيتان” في كتابه le drame du maroc بالفصل الثالث المعنون بـ: “تطوير المغرب“، والذي يضم:

إبعاد التنمية عن المغربي، تحنيط المغربي وتجميده، لجم تطور الشباب، تفكيك الأسرة المغربية عن طريق المرأة، الوطنية صناعة فرنسية، تهجير القرويين للمدن، احتكار التقنية وحرمان الشباب من تعلمها، وفيما يلي تفسير ذلك:

– إبعاد التنمية عن المغربي

عندما يريد الفرنسي الدفاع عن عمل بلادنا (فرنسا) في المغرب، فإنه يستعرض بفخر التنمية الاقتصادية الواقعة بالبلد منذ تواجدنا فيه، فيقارن بين الأرقام المتجمعة من الإحصاء، بين ما كان وما هو موجود، ويستنتج الفرق دون ضجيج، بيد أن الخدمات المقدمة للمغرب بعيدة عن المغربي، وكأنها في مكان آخر، ويبدو أننا نخاف من تقديمها له، خوفا من عواقب قد تترتب عنها، بالنسبة للسلام الفرنسي المبسوط على البلاد، والتنمية الاقتصادية، التي ساهمنا بشكل كبير في تطويرها.

لقد أخرجنا المغرب من سباته، ووضعناه على اتصال بحضارة الشعوب المستقرة في الغرب، وزرعنا به جزء كبيرا من ثقافتنا، التي فرضناها عليه عن طريق صدمة وحشية، لم يمر منها دون معاناة، حددت تطورا، بدأ لحد كبير بلا رجعة فيه.

– تحنيط المغربي وتجميده

إن مغرب 1954 لم يعد هو مغرب مولاي عبد الحفيظ، ومغاربة 1954 لم يعودوا هم مغاربة 1912، وهي إحدى هذه الحقائق الجوهرية التي ترفض سياستنا أخذها بعين الاعتبار.

الكثير من الفرنسيين تبقى أعينهم مفتحة من الدهشة، وهم يرون ما حدث بالمغرب الذي عرفوه عندما نزلوا به قبل 34 عاما، أو 20 عاما فقط.

يتخيل كثير من الفرنسيين أنه من الممكن إدارة البلاد في عام 1954 كما في عام 1912 أو 1920 وهذا كما قلت، هو أخطر خطأ يمكن ملاحظته ضد إدارة الفرنسيين بالمغرب، ومع ذلك هذا هو بالضبط ما لم يعد يريده المغاربة المكونين في مدرستنا، هذا التطور بالمغرب متعدد ومعقد، وهذه بعض سماته الأساسية: تطور الشباب، تطور المرأة، تطور الحس القومي، تكون بروليتاريا كبيرة، جاذبية التكنولوجيا.

وفي ما يلي تفصيل ذلك:

لجم تطور الشباب:

هذا التطور كان تدبيره طبعا بطيئا، فالحضارة الغربية المحمولة من قبل فرنسا للمغرب مختلفة تماما عن الحضارة المغربية، حيث بقيت القوة الاجتماعية المحافظة مهيمنة لمدة طويلة، لذلك رفض الآباء تعليم أبنائهم في المدارس التي أنشأناها لهم وفق برامجنا في نفس الوقت الذي عملت فيه فرنسا على لجم هذه العملية حتى لا تنتشر، بيد أنه في 1930 بدأت أولى علامات تنمية بطيئة لغاية 1939.

أحداث 1939-1945 انتهت بصدمة موجعة، في نفس الوقت جاء الراديو لإنعاش انفتاح المغرب على العالم الخارجي حيث وجد عند المغاربة حوالي 120.000 جهاز راديو تزايد كل يوم في المدن والبوادي، كما ارتفع الطلب على المدارس حتى صار عدد التلاميذ 270 ألف، ليرتفع لـ300 ألف في سنة واحدة، مما تطلب معه الرفع من مراكز التأطير السريع وإحداث مراكز لتكوين المعلمين والمدربين لهم، مما أحدث ارتباكا اقتصاديا لما كنا مبرمجين له من إيجاد وظائف أكثر جاذبية نتيجة للتعليم المقدم في المدرسة التي أحدثناها، والتي أدت جاذبيتها لنتائج صادمة بالنسبة للنظرة الاقتصادية التي حملناها معنا.

هذه الصدمة حدثت في مرحلتين:

الأولى تمثلت في الدهشة، والذهول والتعجب من الطرائق الجديدة في التدبير والتسيير والإدارة، واستخدام الآلات الحديثة في المنشآت والمعامل.

الثانية جاءت بعدما أدرك المغاربة أن الأوربي أحضر بعض الأشياء الحديثة الهامة حقا، وأن المغربي لا يمكن له استعمالها دون تعلم وتدريب.

من تلك اللحظة فصاعدا، تزايد عدد النخبة المثقفة التي ولجت مدارسنا تدريجيا، ونالت شهادات مساوية لشهادات الطلاب الفرنسيين فظهر من المغاربة، أطباء، وصيادلة، ومحامون، ومهندسون، أخذوا مكانتهم في الحياة الاقتصادية.

بيد أن التطور لم يكن مماثلا في البادية والدليل على ذلك، انتشار القومية فيها خاصة بين صفوف الشباب، الذين يريدون لعب دور تنموي ينطلق من عاداتهم وثقافتهم التقليدية، بعدما تكونوا، وسافروا، وقرأوا لأعلام، كفولتير، وماركس، وسارتر، وكامي، واطلعوا على إعلان حقوق الأنسان، فصاروا بذلك: الجناح المتحرك في المغرب بالرغم من المزاعم الرسمية، المزينة للسياسة المتبعة لحد اليوم بالمغرب، والتي تشكل خطأ فادحا يهيئنا لحلم قاس.

تطوير المرأة لتفكيك الأسرة التقليدية

في خضم هذا التطور الشبابي، وجب الإشارة لما يمس المرأة، والذي هو أكثر من تطور، إنه ثورة؛ فالمرأة المسلمة التي كان دورها داخل الأسرة الأبوية أكثر مما نعتقد عموما، ومما توحي به العادة فهي على الأقل لم تترك الحجاب خاصة في المغرب المتشدد حيال ذلك، كانت تظل تقريبا دائمة الجهل، وأمية، مكانتها في التصنيف معدومة عكس فتاة اليوم التي تذهب لتتعلم في المدرسة والليسي، فحصلت بعضهن على شهادات في التمريض، والتوليد، والمساعدة الاجتماعية، وشيئا فشيئا صارت تتخلى عن الحجاب على الأقل عندما ترتدي ملابس أوربية، وصارت تقرأ الجرائد وتستمع للراديو والأخبار الخارجية، وتمارس الرياضة، وفي مكناس توجد فرقة نسائية لكرة السلة تشارك في المباريات العامة بالسراويل القصيرة، وهي التي كانت لأمد قريب محتجزة في البيت بعد سن البلوغ، ولا تخرج إلا تحت المراقبة الدقيقة، لذلك لا نبالغ إذا قلنا بأنها أحدثت ثورة وتغيرا عميقا في الأسرة المغربية من خلال دراستها وعملها بالخارج.

قبل وصولنا كانت بعض النساء تخدمن في بيوت البورجوازية المغربية، لكن كإماء أو غير ذلك من أشغال المنزل، وكن يعاملن معاملة حسنة، لقد كن جزء من الأسرة يقضين حياتهن كلها أو جلها معها، بيد أنهن اليوم يشتغلن في المعامل وعند الأوربيين أشغالا جديدة ستذهب بهن بعيدا عما كن يعرفنه.

فالمرأة اليوم تغادر منزلها لتعمل عند عائلة مسيحية بالنسبة لها كل الأوربيين نصارى تراقب تصرفاتهم، وعندما تنقلها لمحيطها تنتقدها وتبرز عيوبها، ونتيجة حصولها على أجر تساهم في مصاريف البيت فتشعر بأنها أقل خضوعا لأسرة زوجها، وإن لم تكن متزوجة، فإن تلك الأجرة تسمح لها بالعيش مستقلة، مرة أخرى لقد أحدثت المرأة بدراستها وعملها بالخارج ثورة حقيقية في المجتمع المغربي التقليدي.

ترى ماذا سيكون دورها في المستقبل؟

من الصعب التنبؤ، ما هو مؤكد هو أنها سترفض العودة لمستوى ما كانت عليه.

في البادية لم تكن المرأة الأمازيغية منعزلة قط، ولم ترتد الحجاب أبدا، لذلك يجب أن نتوقع تطورا سريعا لها بنفس القدر الذي حدث في المدن، وسيمتد ذلك للجبال على الرغم من ضبط النفس الذي تفرضه المجتمعات الفلاحية على جميع الابتكارات.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *