أمريكا والحرب على المسلمين.. التحدي والصراع

 

معلوم أن أمريكا دولة رأسمالية تقوم على النفعية وعلى الفردية وهي الوريث البشع للاستعمار الغربي، أما المسلمون فهم أمة خيريّة تحمل عقيدة ربانية ذات طبيعة سياسية تدفعها للاهتمام بالغير ورعايتهم، فكان لا بد من الصدام والصراع والمواجهة. ولذلك صاغت أميركا علاقتها مع الأمة الإسلامية على أساس إقصاء “الإسلام السياسي” ومشروعه الحضاري، لأنها لا تستطيع أن تنافسه مبدئياً على الساحة العالمية فيما إذا انبثق في دولة عالمية تتحدى أميركا، ولا ينكر هذا الصراع على أشكاله المختلفة إلا من يكون كالنعامة التي تدفن رأسها بالرمل لتجنّب الخطر الداهم، ولذلك لا تجد سياسياً أو مفكراً واعياً –بغض النظر عن دينه وثقافته- ينكر هذا الصراع وحتمية المواجهة.

وفي بحث له بعنوان “أمريكا والحرب على المسلمين.. التحدي والصراع”، استعرض د. ماهر الجعبري مسيرة الإرهاب الأمريكي وعدوانها على بلاد المسلمين وتحديها للأمة الإسلامية، واستشرف مآل هذا الصراع الحضاري، ضمن محاور متعددة.

ومن ضمن المحاور التي تطرق لها الباحث “أشكال التحدي الأمريكي للأمة الإسلامية”، وقال:

تواجه أمريكا الأمة الإسلامية وتعتدي عليها وعلى مصالحها ضمن حرب حضارية ممتدة تتخذ أشكالا متعددة منها:

1- الحروب العسكرية التي أراقت فيها أمريكا دماء المسلمين في العديد من بلاد المسلمين، عبر المشاركة المباشرة والاحتلال العسكري كما في أفغانستان والعراق، وعبر حلفائها كما في شلال الدم المستمر في فلسطين على أيدي اليهود، وعبر عملائها من حكام المسلمين كما في عاصفة الحزم وكما في الإجرام الدموي لبشار وإيران وحزبها الطائفي.

2- المؤامرات السياسية التي واجهت فيها أمريكا مصالح الأمة الحيوية في التحرر والوحدة وتحكيم الشريعة، وهي مكائد سياسية ممتدة ومتجددة، منها ما تشرف على تنفيذه مباشرة مثل مشروع حل الدولتين لتصفية القضية الفلسطينية، ومثل تحركاتها العالمية والإقليمية لفرض الحل السياسي على الثورة في سوريا، وتسهيلها لإعطاء المهل لبشار لينهك الثورة أو تنضج هي البديل، ومنها ما توكله لعملائها من حكام المسلمين كما في مصر التي ورطّت فيها المسلمين في القبول بنصف ثورة، حتى إذا ما مكّنت عميلها السيسي سحبت البساط من تحت أرجل الجميع، ومن ثم زجت بالمسلمين في السجون، وسهّلت عملية “الردة الثورية”، فأعادت انتاج نظام عربي عميل أشد قمعية وعدوانية للأمة ومشروعها.

3- الصراع الفكري الثقافي: حيث تحاول أمريكا عبره فرض ديمقراطيتها على العالم وعلى المسلمين على وجه الخصوص، كما كان بوش الابن قد محوَر استراتيجية الأمن القومي لأمريكا عام 2006 حول ما سماه “حرب الأفكار”، وفي هذا المجال تركز أمريكا على ما تصنفه “برامج تنموية” لتسهيل الاختراق الثقافي والتلويث الفكري، ويتم ذلك عبر نشاطات وكالات التنمية الأمريكية وبرامجها المتفرعة، التي تهدف إلى حرف المسلمين عن ثقافتهم، وتعمل على تحميلهم العلمانية وديمقراطيتها ومقاييسها كوجهة نظر في الحياة، وذلك كله في مواجهة مشروع الأمة الحضاري الذي يهدف إلى تغيير وجه الأرض نحو تحقيق العدل في دولة الخلافة الراشدة الثانية.

4- الهيمنة الاقتصادية: حيث تحتكر أمريكا مجمل مقدرات الأمة الإسلامية ومواردها الطبيعية مثل النفط والمعادن، وتخوض في ذلك صراعا مع أوروبا كلما حاولت الاستحواذ على شيء من كعكعة تلك الخيرات، بينما يبقى المسلمون يعانون الفقر والحرمان، ولا يجدون لقمة العيش الكريم.

..صحيح أن الساسة الأمريكان علمانيون، ولكنهم لا ينفصلون عن تاريخهم الصدامي مع المسلمين، ولذلك لم يكن مستغربا أن يصنّف بوش الابن غزو أفغانستان عام 2001 على أنه “حملة صليبية”، عندما قال “هذه الحملة الصليبية، هذه الحرب على الإرهاب ستأخذ بعض الوقت”. وكان تصريحه ذاك تعبيرا صادقا عن عداء مستفحل، ولذلك ظهرت عبارة الحملة الصليبية العاشرة كتعبير سياسي عن حالة الربط بين “الحرب على الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية والحملات الصليبية التاريخية”.

صحيح أن البيت الأبيض كان قد أعلن في وقت لاحق أن بوش شعر بالأسف لاستخدامه ذلك التعبير، إلا أن التعبير البشع عاد مجددا في حملة بوش الانتخابية عام 2004 (العربية نت 14/4/2004)، مما يشير إلى أنه لم يكن هفوة ندم عليها ساسة الأمريكان، بل هي المكنون الحقيقي لأمريكا في عدائها للأمة الإسلامية. ومن ثم لم يكن مستغربا أن يركّز بوش في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي عام 2006 على ما أسماه “حرب الأفكار”، وتحدث فيها عن “التحديات التي تواجهها أمريكا نتيجة بروز ظاهرة الإرهاب المشتعل بأيديولوجية عدائية تقوم على الكراهية والقتل”، حسب تعبيره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *