كلمة موجزة: عن التصوف اليهودي الباطني في الأندلس (القبالا) طارق الحمودي

 

لست معنيا هنا بالحديث عن أصول يهود إسبانيا بالتفصيل ولا تحقيق زمن دخولهم إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، فالذي يهمني في الحديث عنهم هو التعرف على طبيعة وشكل الحضور الفكري اليهودي في الأندلس عند الفتح خاصة، فإنه بمثابة السياق الذي لا يمكنني الاستغناء عنه.

قد لا يستغرب من هذا التوجه نحو الحديث عن الفكر اليهودي في الأندلس، فإنه من المعلوم عند الباحثين أنه أحد معالم البحث العلمي المتعلق بتاريخ الأندلس فكريا واجتماعيا، والحضور اليهودي في الثقافة الأندلسية لا يدع مجالا للخيرة، وقد صار الأمر إلى أعلى من ذلك حينما مدت اليد إلى مثلث الجدل الديني في الأندلس، والذي كان فيه اليهود أحد رؤوسه، لكن الذي قد يستغرب هو تجاوز هذا المستوى السطحي للحضور اليهودي في الفكر الأندلسي إلى مستوى أعمق وأبطن، وهو مستوى سيكون الكشف عنه مثارا لكثير من الأسئلة، وسيكون أيضا كاشفا عن جملة من المعطيات والمعلومات التي سيكون لها أثر في إعادة توجيه الدراسات، وإعادة النظر في غالبها.

تجمع الأبحاث على أن اليهود كانوا في إسبانيا قبل الميلاد، وقد اصطحبوا في هجراتهم المتتالية كل ما يضمن حفظ الدين وبقاء الهوية، وكان فيهم لأجل ذلك عدد معتبر من أحبارهم، والذين كانوا يتولون الأدبيات اليهودية الأساس، وهي التوراة والتلمود بالتعاهد والدراسة والتفسير، ويمثل التلمود جزء التعاليم الشفوية للفكر اليهودي، وكل هذا لا يخرج عن المعتاد، وهو ما لا يهتم بذكره لأنه اللازم.

تذكر المصادر أن أحد الأحبار اليهود الإسبان أظهر سنة 1280م كتابا يحتوي على نوع مختلف من التفاسير المتعلقة بالتوراة، مكتوب بالآرامية، احتوى على مجموعة تعاليق وهوامش على التوراة، ربما بدأ تدوينها منذ القرن الثاني الميلادي، وبلغت صفحاته نحو الألفين، وليس من شك في أن مصادره أقدم منه، وغالب الظن أنها مما احتمله اليهود في إحدى أو بعض هجراتهم إلى إسبانيا، وربما فعل غيرهم مثلهم، لكن هذا الراهب كشفه، والسؤال، لماذا كان مخفيا؟

يعرف هذا الكتاب في الأوساط العلمية باسم “El Zohar”، ويحتوي على واحدة من أغرب نظريات التأويل القديمة، والتي أنتجت منظومة فكرية من أكثر الباطنيات إثارة، وضعت تحت عنوان “القبالا”.

تمثل القبالا نظاما معرفيا صوفيا يتعلق بالجانب التأويلي لنصوص التوراة، وتقوم على نظام القراءة العددية والرمزية الباطنية، فهي البعد الصوفي في الفكر اليهودي، وهو نظام على التحقيق متأثر بمذاهب قديمة، «بالأثينية الزرادشتية القائلة بالظلمة والنور، وبالأفلاطونية الحديثة، وباستبدالها الفيض الإلهي بعملية الخلق، وما تقول به الفيثاغورية الحديثة من أن للأعداد قوى خفية وأسرارا، وبالثيوصوفية الغنوسطية (مذهب الاتصال بالله أو الفناء بالذات والبقاء بالله) ..وبالشعراء والمتصوفة في الهند ومصر ..لكن مصادرها الأساسية كانت كامنة في عقلية اليهود أنفسهم، ولقد انتشرت بين اليهود قبل مولد المسيح نفسه شروح سرية لقصة الخلق الواردة في سفر التكوين وفي الإصحاحين الأول والعاشر من سفر حزقيال، وقد حرمت.

نال اليهود في إسبانيا أنواعا مختلفة من التضييق الديني والاجتماعي، بدءا مما يذكر من كون أول مجموعة دخلت إلى الأندلس كانت عبيدا على يد الملك إشبان الذي كان متحالفا مع بختنصر، مرورا بسلسلة من الاضطهادات التي استمرت إلى زمن الفتح الإسلامي، والذي عنى بداية عهد جديد ليهود إسبانيا، وقد كان لزاما على اليهود طوال فترة التضييق أن يحموا تراثهم، خصوصا ما كان منه في أعلا درجات النخبوية والسرية، مما يتعلق بالجانب الباطني في الفكر اليهودي، وبُعيد الفتح الإسلامي، أعيد انتشار المجموعات اليهودية داخل المدن الكبيرة، وأنشئت لهم أحياء تخصهم، وكثر تواصل المسلمين بهم على كل المستويات، السياسية حيث كان بعضهم وزراء، واجتماعيا واقتصاديا حيث مثل اليهود أحد أركان الاقتصاد الأندلسي، وفكريا حيث كانت هناك مناوشات فكرية بين الطرفين.

وبعيدا عن هذه الظواهر الفكرية، كان الفكر الباطني اليهودي ينتشر في أوساط النخبة المتخفية بالقراءات الكلاسيكية، بل يتسرب عبر منافذ مختلفة هنا وهناك في الثقافة الأندلسية الإسلامية خاصة، وقد يصعب تتبع هذا التسرب بشكل واضح، ولكن بعض الأحداث قد يكون لها دور في الكشف عن طبيعة وحجم هذا التسرب، ومدى تأثيره في صناعة الفكر الباطني في الأندلس.

سيكون من المسلم إذن القول: إن الفكر القبالي الصوفي الباطني كان موجودا في الأندلس قبل الفتح الإسلامي بزمن طويل، وأن تأثيره قد بلغ مبلغا معتبرا في الفكر الإسباني عامة واليهودي خاصة، وبالأخص في دوائر القاباليين النخبة، والذي يعرف طبيعة اليهود سيتفطن سريعا إلى ما يمكن أن تصنعه عقيدة باطنية يهودية طبيعتها التسرب في الفكر الإسلامي الأندلسي الناشئ، وهو أمر يعني أن اعتبار الفكر القابالي اليهودي الباطني رافدا من روافد الفكر الباطني في الثقافة الإسلامية صار أمرا غير قابل للدفع.

كما كان لإسبانيا خصوصية الكشف عن كتاب الزهار، وبالتالي الكشف عن البعد الباطني في الفكر اليهودي، سيكون لإسبانيا أيضا دور ظاهر في تطوير الفكر القابالي، أو بالأحرى توفير آليات تطويره، وممن اشتهر عنه ذلك الحبر اليهودي أبراهام أبو العافية من القرن الثالث عشر ميلادي، والذي ابتدع طريقة تأمل صوفية في أسماء الله تعالى الاثنتين والستين عندهم، طريقة يستعان بها على تفسير التوراة تفسيرا باطنيا على أساس الرموز الحرفية العبرية.

يمكن تلخيص الفكر القابالي الباطني النظري في مجموعة من المعالم، أختار منها:

  • النظرة الجنسية إلى الوجود، واعتقاد ثنائية جنس الله تعالى، أي أنه ذكر وأنثى تعالى الله عن هذا علوا كبيرا، وأن الكون نتاج نكاح إلهي.
  • قدرة الإنسان على التأثير في الكون عن طريق التأثير في الله تعالى، بل حاجة الله إلى الإنسان[1]ليجتمع طرفاه، الأنثوي والذكوري.
  • عقيدة تناسخ الأرواح تحقيق للعدل عندهم.
  • التأويل الباطني لنصوص التوراة.
  • الغنوصية المعرفية.

 

[1] Comprendre la kabbale p28

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *