كذلك أتتك آياتنا فنسيتها

 

من مشاهد الحياة الآخرة التي أخبر عنها القرآن الكريم، أن الـمُعْرِض عما جاء به الله سبحانه من شرائع وأحكام تنظم حياة الإنسان في الدنيا يتساءل عن مصيره في تلك الدار، وما آل إليه من حال، متوجهاً إلى ربه بما أخبر عنه القرآن بقوله: {قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} (طه:125) فيأتيه الجواب من رب الأرباب: {قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} (طه:126).

لقد جاء الجواب لذلك الـمُعْرِض عن شرع ربه وأدلته وبيانه الذي بينه في كتابه، فنبذه وراء ظهره، وأعرض عنه، ولم يؤمن به، ولم يعمل بما فيه، بقوله سبحانه: {وكذلك اليوم تنسى} أي: فكما نسيت آيات الله في الدنيا، فتركتها وأعرضت عنها، فكذلك اليوم تترك في النار.

روى الطبري عن مجاهد، في قوله تعالى: {كذلك أتتك آياتنا فنسيتها} قال: فتركتها {وكذلك اليوم تنسى} وكذلك اليوم تُترك في النار. وعن قتادة في قوله سبحانه: {قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} قال: نُسي من الخير، ولم يُنس من الشر. وهذا القول الذي قاله قتادة قريب المعنى مما قاله مجاهد؛ لأن تركه إياهم في النار أعظم الشر لهم.

والمراد ب (النسيان) في الموضعين {أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} كناية، أو استعارة في الحرمان من حظوظ الرحمة، أي: لما أعرضت عن آيات الله، وعاملتها معاملة من لم يذكرها، بعد بلاغها إليك تناسيتها، وأعرضت عنها وأغفلتها، كذلك نعاملك اليوم معاملة من ينساك. فإن الجزاء من جنس العمل.

قال ابن كثير: “فأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه، فليس داخلاً في هذا الوعيد الخاص، وإن كان متوعداً عليه من جهة أخرى، فإنه قد وردت السنة بالنهي الأكيد، والوعيد الشديد في ذلك، روى الإمام أحمد عن سعد بن عبادة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من رجل قرأ القرآن فنسيه، إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم) أي: مقطوع اليد.

ومحصل القول، إنَّ من ترك شرع ربه، ولم يعبأ به، ولم يراع حلاله من حرامه، فإنَّ الله سبحانه يتركه يوم القيامة؛ فلا ينظر إليه برحمة، ولا يكلمه بلطف، ولا يزلف إليه بقرب، بل يتركه في العذاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *