توطن مكان خاص في المسجد
لا ينبغي للمصلي ملازمة مكان في المسجد لا يصلي إلا فيه، ولا يعرف إلا به، سواء كان ذلك في مكان خاص من الصف الأول، أو في زاوية من زوايا المسجد، أو غير ذلك فقد ورد في السنة النهي عن هذا الفعل.
فَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ ا، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَافْتِرَاشِ السَّبْعِ، وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ»([1]).
معناه “أن يتخذ لنفسه من المسجد مكانا معينا لا يصلي إلا فيه، كالبعير لا يبرك من عطنه إلا في مبرك قديم”([2]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ::” ليس لأحد من الناس أن يختص بشيء من المسجد بحيث يمنع غيره منه دائما…([3]).
وقال جمال الدين القاسمي ::” يهوى بعض ملازمي الجماعات مكانًا مخصوصًا أو ناحية من المسجد، إما وراء الإمام أو جانب المنبر أو أمامه أو طرف حائطه اليمين أو الشمال، أو الصفة المرتفعة في آخره، بحيث لا يلذ له التعبد ولا الإقامة إلا بها، وإذا أبصر من سبقه إليها فربما اضطره إلى أن يتنحى له عنها، لأنها محتكرة أو يذهب عنها مغضبًا أو متحوقلًا أو مسترجعًا، وقد يفاجئ الماكث بها بأنها مقامه من كذا وكذا سنة، وقد يستعين بأشكاله من جهلة المتنسكين على أن يقام منها، إلى غير ذلك من ضروب الجهالات التي ابتليت بها أكثر المساجد، ولا يخفى أن محبة مكان من المسجد على حده تنشأ من الجهل أو الرياء والسمعة، وأن يقال إنه لا يصلي إلا في المكان الفلاني أو إنه من أهل الصف الأول، مما يحبط العمل ملاحظته ومحبته، نعوذ بالله. وهب أن هذا المتوطن لم يقصد ذلك؛ فلا أقل أنه يفقد لذة العبادة بكثرة الألف والحرص على هذا المكان بحيث لا يدعوه إلى المسجد إلا موضعه”([4]).
مع التنبيه إلى أنه ليس هناك محذور شرعي في تخصيص مكان معين في المسجد لصلاة النافلة، فعن يزيد بن أبي عبيد قال : كُنْتُ آتِي مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فَيُصَلِّي عِنْدَ الْأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ فَقُلْتُ : يَا أَبَا مُسْلِمٍ، أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الْأُسْطُوَانَةِ. قَالَ: «فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا» ([5]).
قال ابن رجب: “وفي الحديث: دليل على أنه لا بأس أن يلزم المصلي مكانا معينا من المسجد يصلي فيه تطوعا، وقد ورد في رواية التصريح بأن هذه الصلاة كانت تطوعا”. ([6])
———————————————————
([1]) رواه أبو داود (862)، والنسائي (1112)، وابن ماجه (1429)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (6982).
([2]) حاشية السندي على سنن ابن ماجه (1/437).
([3]) مجموع الفتاوى (22/195).
([4]) إصلاح المساجد من البدع والعوائد (ص:160).
([5])رواه البخاري (502)، ومسلم (509).
([6]) فتح الباري لابن رجب (4/50).