عندما يصنع الشعب عاهات سياسية يفقد أحقيته في الشكوى والاستدراك الأخير محمد بوقنطار

…ولننطلق مما أنهينا به المقال الثاني حيث ذيلناه بما ذكره ابن خلدون في مقدمته بخصوص جنس العرب وطبيعتهم وقد قرّر أنهم قوم لا يحصل لهم الملك إلا بصيغة دينية أو ولاية أو أثر عظيم من الدين وهذا بسبب خلق التوحش المتأصل فيهم، وأن من تتبع أحوالهم وشؤونهم الداخلية وأعرافهم القبلية عرف ذوقا أنهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض، للغلظة والأنفة وبُعد الهمة والمنافسة في الرئاسة فقلّما تجتمع أهواؤهم.

فما أصدقه من كلام! وما أصوبه من حكم خرج بوْحه من جوف عالم خَبَر جنس العرب ونوعهم، وقد ساعده تعدّد تجاربه في الحياة السياسية، ومناصبه الإدارية ووظيفته في القضاء، إلى جانب أسفاره الكثيرة، في مجيء كتاباته وملاحظاته عن التاريخ بالغة الدقة والتفوّق، رتيقة الخرق، منطبعة بملمحي الموضوعية والعلمية، رحمه الله برحمته الواسعة، وردنا إلى دينه ردا جميلا وقد أفصح الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم عن شرط العودة ورَهْن الرجوع فقال:”إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله سلّط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم”.

ولعل هذا العالم المعلّم لو عاش بين ظهرانينا لعلم صدق حكمه، ويقينية مستشرف حكيه وبوحه، ولا شك أن الناظر إلى أحوال الأمة، الواقف المتفرس المتأمل اليوم في أحوال الحكومات والشعوب على حد سواء يرى ما يرد البصر خاسئا وهو حسير، ويتحسس ما يجعل اليد باطشة في ركس، مغمورة في نجاسة، لا ينال فيها المواطن الصالح والطالح حظا سوى أنهما يأويان إلى ركن شديد أو إلى جذع شجرة ملومان مدحوران، يرجو الأول من الله ما لا يرجوه الثاني.

إن هذا ما جنته التجارب العلمانية في جغرافيا الإسلام والمسلمين، وإنه ليس بالشيء العُجاب، ولا جرم أن المواطن متى ما تفكّر وتحرّر من سطوة ذلك الرمي الحداثي الفاشل الذي يحسب على الإسلام كل صيحة وقوع وانتكاسة فشل، اسطاع أن يخرج بحقيقة مفادها أن المسؤولية التقصيرية في كل ما يحدث للأمة على مستوى الفرد والجماعة هو تحصيل حاصل لحكومات علمانية النهج والأنفاس، ترادفت على كرسي إدارة الشأن العام منذ الاستقلال وإلى يوم الناس هذا، فجعلتنا للأسف كالفئران الفتية في مختبر طبخاتها الحداثية، حيث جربت فينا كل داء وبلاء، ولا يغررك تقلب بعض التجارب المربادة القلب الحركي التي رفعت شعار الإسلام هو الحل، ثم ما فتئت أن استعرت منه وتبرأت من أدبياته، وباتت وكأنها لم تغن ولم تتغن به حتى الأمس القريب، فلقد قدمته قربانا ليحترق فوق فرن نفعيتها فداء لمصالحها الحزبية وجشعها المؤسساتي، وليتكفل شعاره بإشباع أغراض طاقمها، تلك الأغراض التي عرّت فترتي الانتداب الحكومي لأعضائها الناجحين نجاحا الرسوب خير منه على أنها أغراض ضيقة الأفق جشعة الذوق، يمكن تلخيص مأساتها وبؤسها وركودها في أحلام ناس زرعوا ويزرعون ولم يأكلوا، ونخب أكلت وتأكل ولم تعمل ولم تزرع في طريق الناس وآمالهم  إلا الأوهام ولباس سرابيل من قطران.

إن رصيد التجارب السياسية بجغرافيتنا الإسلامية ليحكي مأساته في بوح متصل الأنين قائلا : لقد جرّبت الشعوب كل شيء، بل جُرِّب فيها كل شيء، وقد تعاقبت على إدارة شأنها العام كل ألوان الطيف وجل رموز الشتاء والخريف والصيف، سوى حكمها بشريعة الله الغراء، والنهل المباشر لمساطر سياسة الناس وإدارة شؤونهم من كتاب الله وسنة رسوله وسيرته العطرة، وهي المساطر الشرعية التي سبق أن أفلحت في  إحكام زمام العقول وكبح عاديات الشهوات والتصدي لمغيرات الشبهات، ولنا في ماضينا المشرق الرصيد الأوفى الذي يملأ العين ويرد البصر، يوم كنا نقدِّم للبشرية جمعاء النماذج الفريدة في التربية والتعليم، والبيع والشراء، والعدل والقضاء…

ويا ليت النيات سلمت والمقاصد بعدها أخلصت السير نحو مأمول تحديد شواطئ النجاة والخروج بالمجتمعات الإسلامية من هذا الضيق ومأزق التواجد والمكث في عنق زجاجة ملقاة في بحر من ظلمات هذه اللجة الهالكة التي طال ليلها البهيم، بل للأسف استمرأ الناس ظلامه حتى صار كأنه نهار أشرقت شمسه واشتد نور بياض ظهيرة زواله، وإنما هي ظلمات مركوم بعضها فوق بعض، تعيش في كنف عتمتها الفاقعة السواد حتى المجتمعات الغربية ذات التطور المدني المادي المبهر، وإنما الاعتبار قائم في هذا التصنيف هاهنا من جهة ما تعيشه هذه المجتمعات من حيدة أخلاقية وتسفلات قل نظيرها حتى في صفوف عالم البهيمة، ولعل الأرقام المهولة المسجلة في درك ارتفاع جرائم القتل والاغتصاب واللصوصية والشذوذ وترسيم المثلية بل واحتضانها مؤسساتيا على صعيد الواجهة المدنية، بَلْهَ الكنسية الدينية، وما خلفته التجارب الديموقراطية هناك وهنالك من ملفات الفساد السياسي والحزبي وسياسة خارجية مستخربة للعقول والأبدان والأوطان، وكلها ملفات باتت تشكل برهانا على أن ما يبدو أو كان يبدو لنا أنه بياض في بياض، إنما هو سراب حسبناه وظللنا نحسبه ماء حينا من الدهر غير قصير، والحق أن مثل هذه التقريرات في ظل هذا المناخ المشحون قد تبدو  للبعض أو للكثير مجرد إفرازات أحكام غير منطقية تتبنى أو تنطلق من رؤية غير منصفة، وُلدت في جوف أصحابها تحت طائلة عقيدة مجافية للغرب، ما فتئ لهيب الدواخل الحارق يجود ويشهر سيف المناهضة والعداوة والمُباغضة ويجرده من غمد هذا الجوف الذي لطالما نعت أصحابه مدنية الرجل الأبيض ورموها بكل كبيرة وصغيرة، وحسبوا عليها كل صيحة، ولا أدل على هذا بالنسبة لهذا البعض أو لهذه الكثرة، هو ما تعيشه المدنية الغربية من تفوق طبع ويطبع كل الميادين الاقتصادية منها والعسكرية والعلمية والاجتماعية، والحقيقة أن هذا واقع موجود لا يستطيع أحد أن ينكره أو أن يتغافل كمه وكيفه.

ولإن كانت هذه المعطيات الواقعية تشكل حقيقة راسخة فلا ينبغي أن تحجب أخرى مفادها أن هذا الواقع المادي المتطور لا يشكل منسوبه الكل من تمظهرات التحوّل المعتبر حضاريا، أو لا يعتبر المؤثر الرئيس في تحقيق مأمول النهضة الحضارية العامة، أو متحقق الانبعاث الحضاري المقصود، فما جدوى القوة إذا استبد بها مالكها ثم طغى بدبابتها وبغى ببندقيتها وأهلك الحرث والنسل بفيروسات مختبراتها المتطورة المحضن واللاقط المكبر والمحجلة، ولذلك فالمنكرون علينا اتهامنا للمنتوج الديموقراطي الغربي بأنه ليس النموذج ولا يمكن أن يمثل قدوة التقفي والمحاكاة، نرى ونسجل عليهم من جهة إغفالهم لأهمية المعطى الأخلاقي وركيزة العدل الاجتماعي مع القريب كما البعيد، أنهم جميعا أو أشتاتا قد تغيّب لديهم الوعي بهذا الإشكال ذي الطابع الأعمق…

ولعل مقارنة متجردة منصفة باحثة عن الحق دون التموقف من ملته، ودون التحايل عبر وهم التنسيق بين طرفي هذه المقارنة على نحو مداهن تلفيقي خاصة من الطرف الأضعف المنهزم، قلت مقارنة منصفة بين الشورى في الإسلام والديموقراطية الغربية، ليعطي التميّز للنموذج الإسلامي على حساب النموذج الديموقراطي الغربي، وذلك من منطلق وقاعدة صناعة النخب الحاكمة، فإذا كانت الديموقراطية الغربية تتجسد وتقوم على مبدأ الأغلبية العددية أي الكفل الكمي الكبير للناخبين دون أدنى اشتراط يؤطر العملية من الناحية الأخلاقية، ويحيطها بهالة من الضوابط التي من شأنها أن تحمي النتائج وتنخل طحين رحى الديموقراطية، سيما وأن زرع هذا الطحين لم يستو على سوقه في كثير من المرات، وهكذا فإن أي تفكيك لماهية معشر الناخبين المشكِّلين للأغلبية الفاعلة في صناعة النخب الحاكمة، يُوقِف المتأمل في حجم الكسور والاختلالات الأخلاقية والسلوكية والمعرفية في هذا النسيج المنقوض الغزل، فإنك لا تكاد ترى في بحر الأغلبية صفوفا ضاربة في الطول والعرض من أصحاب الخبرة والنظر والكفاءة والتقوى والغيرة الطافحة على مصلحة الوطن بل مصالح المواطنين، وهاهنا الفرق ينضاف إلى قاعدته ومنطلق مباينته بين الشورى والديموقراطية من حيث مصدر التلقي، فالأولى ربانية الاستمداد، والثانية بشرية الاعتداد، ولعله فرق جوهري ففي الوقت الذي تقوم فيه الشورى على نخبة من أهل الصلاح والفلاح والخبرة والكفاءة، نجد أن الديموقراطية لا تعترف إلا بمنطق الأكثرية العددية، ولا شك أن لهذا الفرق ثقله ودوره في التباين الحاصل على مستوى منتوج كل منهما في قضية صناعة القرار، والواقع يشهد على التجارب الديموقراطية التي تناوبت حكوماتها على إدارة شأننا العام، أنها تجارب شطت وحادت بإقعاد لا نزال نشكو من اعوجاجات مساره الديموقراطي الهالك، وأنها تجارب كانت هي وأصحابها في واد وما يطلق عنه في أدبياتها التأسيسية بإرادة الشعب في واد موحش غير ذي زرع، وتلك نتيجة حتمية لدعوى وزعم انتخابات حرة ونزيهة وواقع يشهد بالصوت والصورة والذوق والرائحة أنها انتخابات لم تكن في يوم من أيامها النحسات حرة أو نزيهة، وإنما هي تجليات تبادل أدوار على بدء متكرر بين أكثرية جنسها غثاء ونخبة نوعها ذهب وسيذهب جُفاء، وتلك سيرة ما لا ينفع الناس، ولنا في حكومة التناوب اليسارية المشرب، وحكومة إخوان العدالة والتنمية اليمينية الملعب خير دليل على ما ذهبنا إليه هاهنا واسأل العادين من الذين يتمتعون بذاكرة تختزن مآسي تلك الذكريات بتحيين مُؤلم ثقيل الجُثوم…

والله المستعان على ما يصفون.

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *