ريح ماركسية تهب على مغرب أصيب يساره بالعطب طارق الحمودي

بعد فشل التجارب السوسيو اقتصادية الاشتراكية في العالم، وسقوط الاتحاد السوفييتي، معلنا بداية نهاية الفكر الماركسي والسقوط الثقافي في حفرة لا يعرف قعرها، استمر وجود اليسار في العالم في شكل أحزاب سياسية مفرغة المحتوى، أعلنت رضوخها العملي لجبروت الرأسمال العالمي، وتطورت أشكال رضوخها مع تطور النظام الرأسمالي إلى أكثرها تطرفا وضررا، وهو ما سينتج عنه أمر لم يكن يتصوره إلا قلة من الباحثين المتعمقين.

بعد خروج كارل ماركس من ألمانيا مطرودا إلى كل من فرنسا وبلجيكا، ثم عودته لألمانيا، ثم نفيه إلى بريطانيا حيث دفن في لندن بمقبرة هايكيت، حيث وضع له تمثال نصفي مخلدا ذكراه لليسار البريطاني والعالمي، وهو المكان الذي يجتمع بعض اليساريين للاحتفال به بطقوس شبه وثنية، ومثله تمثال نصفي آخر في ألمانيا الشرقية سابقا من نحت (Lew Kerbel)، ثم أقيم لكارل ماركس تمثال كامل كبير بمسقط رأسه بمدينة (Tréve) يوم 5 ماي 2018!!!

لا يمكن تجاوز هذا الحدث دون أسئلة، مثل: ما الذي يعنيه إقامة تمثال في عصر يبدو من ظاهره أنه تجاوز الفكر الماركسي؟

لماذا يقام له تمثال في ألمانيا؟ لماذا يقام له تمثال كامل بحجم كبير؟

تعد فلسفة كارل ماركس امتدادا للفلسفة الألمانية الكلاسيكية، لكنها فلسفة تميزت بعمقها السوسيو اقتصادي وأصولها الإلحادية التي سيكون لها آثار دموية بشعة على الإنسانية، فيتحمل كارل ماركس تبعتها تاريخيا وفكريا مع أننا نعتقد أنه من أهل النار إن كان مات على ما عاش عليه، وقد صار كارل ماركس شبه نبي ومبشر عند من اغتر بفلسفته، وكل هذه التماثيل والممارسات التي يقيمها أنصاره شاهدة على شيء من ذلك.

هل هناك محاولة لاستعادة أو استدعاء كارل ماركس؟ ولماذا؟

سعيد ناشيد وماركس

سعيد ناشيد كاتب ماركسي ضعيف التكوين، وضع رئيسا لمركز دراسات وبحث، وهو أمر أثار استغراب كثير من الأكاديميين وكبار الباحثين المغاربة، وليس يهمني هنا هذا، بل الذي يهمني أن الرجل من “عشاق” ماركس وفلسفته، فقد سبق له أن كتب مقالا بعنوان: عندما نسينا ماركس، وكتب آخر بعنوان: عودة ماركس، ولا يحتاج هذا إلى تكلف تحليل وشرح، فالكتاب بين مضمونه من عنوانه ،وهذا بيت القصيد كما يقال.

الماركسية والعداء للإسلام

الماركسية والإسلام نقيضان لا يجتمعان، فالماركسية ديانة إلحادية، وليس هذا تجنيا ولا مبالغة، فالماركسيون يحتجون بأقواله كما نحتج بكلام الله وحديث رسوله عليه الصلاة والسلام، بل ويختلف علماء العلمانية في شرح كلامه كما يختلف الفقهاء في تفسر القرآن وشرح الحديث، ومن راجع الأدبيات الكبرى للفكر الماركسي القومي العربي وجد دلائل ذلك، مثل كتاب الثالوث المحرم لبوعلي يسين، وأما العداء فليس أصرح من اشتراط ماركس البدء بنقد الدين، ومنه الإسلام، قبل نقد أي شيء آخر، وبالتالي، فنقد الرأسمالية لا يصح إلا بعد الفراغ من نقد الدين.

الماركسية المغربية والتطرف

انتشر الفكر الماركسي في المغرب في السبعينيات فما بعدها، فظهرت حركات وشخصيات تدعو إلى فرض الأيديولوجيا الماركسية بالقوة، ولذلك آمنت بالعنف والثورة المسلحة، على طريق تشي كيفارا وغيره، ومن أحمد عصيد إلى عبد اللطيف وهبي، مرورا بنزهة الصقلي ونبيلة منيب وآخرين، بقيت الماركسية حية في الفكر والخطاب لكثير من الأحزاب والشخصيات المغربية، وركب كل طرف مركوبا مناسبا لتسويق أو فرض “ماركسيته” على المغاربة.

التقدم والاشتراكية بعد الشيوعية

هو حزب تأسس أصله سنة 1943م باسم “الحزب الشيوعي المغربي”، وهو حزب ينتمي إلى الأيديولوجية الماركسية
وبعد مراجعات تحول إلى الاشتراكية الديمقراطية -هناك حالة تشكك في الوسط الفكري من صدق الديمقراطية الاشتراكية!!- سنة 1995.. لكنه بقي على نفس الأصول الأيديولوجية في موقفه من العقيدة الإسلامية وشريعتها..

البوليزاريو الماركسي

لا ينتبه كثير من الباحثين لكون قضية الصحراء قضية سياسية من وجه، وأيديولوجية من وجه ولا ينفكان، وإن طغى وجه على وجه في فترات معينة، فالبوليزاريو حركة ثورية ماركسية وجدت لها دعما من كل الحركات الثورية الماركسية في العالم العربي في وقت من الأوقات، من ليبيا والجزائر، واستمر دعمها من مثيلاتها في الدول الغربية من كوبا وإسبانيا وفرنسا وغيرها من الدول الأوربية، وهي قنوات صرف الدعم المادي والسياسي لهذه الجبهة الانفصالية، والأخطر في كل هذا، أنها كانت تجد الدعم من الحركات الماركسية المغربية، مثل حركة إلى الامام وغيرها، وقصت هذه الحركة مع الملك الحسن الثاني رحمه الله معروفة مشهورة، وبعد أن غلب الوجه السياسي والمالي على الوجه الأيديولوجي، مالت كثير من الأحزاب اليسارية المغربية عن دعمها إلى التبرئ منها، وخيرا فعلت.

أعطاب اليسار الماركسي في المغرب

بسبب مناقضة الأيديولوجيا الماركسية للهوية المغربية، وبسبب مدافعة الدعاة والحركات الإسلامية لها، تقلص دورها وضعفت، وفقدت عمقها الاجتماعي وحضورها المؤسسي، ولذلك اجتمعت الحركات اليسارية ذات العمق الماركسي اللينيني مرارا في موائد مستديرة لأجل تدارك الضعف والتقلص والعطب، ومهما حاولوا لم يستطيعوا أن يجدوا أرضية مشتركة، لأن العطب كان شديدا، وقد صرح الباحثون بأن الجامع لهذه الأحزاب مفرد، وهو “اليسار” والذي يفرقها كثير، فزيادة على مناقضة الأيديولوجيا الماركسية للهوية المغربية ،فإن اليسار العالمي في أزمة، ولم يعد لليسار المغربي عمقه الدولي، فزاد الضعف على الضعف، ويحاول بعض اليساريين أن يجدوا صيغة جديدة يمكنون بها الحركات اليسارية من الاندماج في المجتمع مرة أخرى ،بإعادة تفسير معنى “اليسار” وتبني خطاب حذِر تجاه الإسلام، بل تبني قراءة ماركسية له، على طريقة حسن حنفي ومحمد شحرور، ولقد ثبت فشل المحاولة مشرقيا ،مع قوة اليسار ونفوذه وتأهله، فكيف يمكن لهذا أن يجد فرصة نجاح في المغرب، مع الضعف السياسي والتقلص الاجتماعي وعدم الأهلية الفكرية ،بعد انتهاء زمن كبار المفكرين اليساريين مثل الجابري وغيره.

هل سيختفي اليسار؟

كانت الصورة التي نشرتها مجلة “ماوك إيبدو” العدد 1323 لشهر نونبر 2019 معبرة وكافية لشرح ما آل إليه أمر اليسار المغربي، فقد كانت صورة لعبد الرحمن اليوسفي الاتحادي وهو يحمل وردة ذابلة، وينظر في المجلة ص12، وقد تواتر إنذارات اليساريين من هذا الهبوط الشديد نحو القاع، وتدل غالب الأمارات على أن الاختفاء وشيك، مع أن اليسار مصاب بموت كلينيكي طويل، وليست هذه عبارتي، بل عبارة مجلة “مروك إيبدو” في عددها السابق الذكر، ص 19، في الاتحاد الاشتراكي، والذي يتميز عن غيره بكونه حزبا خارجا من رحم حزب الاستقلال، ومهما حاولنا رصد أسباب ذلك ومعالمه، فإن اليسار مصاب بأعطاب وجروح غائرة أصابته في مقتل، ولذلك يحاول اليساريون إنعاش القلب الذي خفت نبضه، وليس له من علاج إلا أن يعيد النظر في انتمائه وهويته، فإن أرادوا البقاء فعليهم أن يرجعوا إلى دين الله تعالى وهوية أمتهم، ليتخلصوا من كل تبعية ومن كل حالة خيانة فكرية للأمة المغربية.

بين ما ألمحت إليه أولا من عودة الماركسية وبين ما ختمت به المقال من قرب أفول اليسار حالة تناقض وتنافر، ولست أعرف المخرج منها!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *