العقيدة والعمل د. أحمد القاضي

الإيمان، كما يراه أهل السنة والجماعة: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بطاعة الرحمن وينقص بطاعة الشيطان، وهو بهذا الشمول يتناول جميع مناحي الحياة، ويحيل رحلة العمر إلى عبادة مستمرة تباركه وتزكيه.

لا تخطئ عين القارئ لكتاب الله ذلك الاقتران الوثيق بين الإيمان والعمل الصالح؛ فلا يكاد يذكر الإيمان بمختلف تصرفاته، إلا ويتبع بذكر العمل بمختلف تصرفاته، وربما جرى العكس. ومن شواهد ذلك:
{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة].
{وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} [الكهف].
{فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} [الأنبياء].
إن ثمَّ تلازماً وثيقاً بين الاعتقاد والعمل، لا ينفك! ذلك أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل. فشجرة الإيمان تزرع في القلب ببذرة من المعارف والتصديقات الجازمة، ثم تنمو، وتشتد، وينشأ لها فروع وأغصان من الأعمال القلبية؛ كالمحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، ثم تثمر أقوالاً وأعمالاً صالحة؛ كالدعاء، والذكر، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج.
قال مالك بن دينار رحمه الله: “الإيمان يبدأ في القلب ضعيفاً، ضئيلاً، كالبقلة، فإن صاحبه تعاهده، فسقاه بالعلوم النافعة، والأعمال الصالحة، وأماط عنه الدغل وما يضعفه ويوهنه أوشك أن ينمو ويزداد، ويصير له أصل وفروع، وثمرة، وظل، إلى ما لا يتناهى، حتى يصير أمثال الجبال. وإن صاحبه أهمله، ولم يتعاهده، جاءه عنز فنتفتها، أو صبي فذهب بها، أو كثر عليه الدغل فأضعفها أو أهلكها أو أيبسها. كذلك الإيمان”.
وقد تنوعت عبارات السلف في تقرير هذا الأصل، وتطابقت في المضمون:
قال الزهري: “الإيمان قول وعمل، قرينان، لا ينفع أحدهما إلا بالآخر”.
وقال الأوزاعي: “لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة”.
وقال أحمد حاكياً مذهب أهل السنة في مختلف الأقطار: “فكان قولهم: أن الإيمان قول وعمل ونية”.
وقال البخاري: “لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحداً منهم يختلف أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص”.
واشتد نكيرهم على المرجئة الذين أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، على اختلاف طبقاتهم:
قال النخعي: “إياكم وأهل هذا الرأي المحدَث” يعني الإرجاء.
وقال: “الإرجاء بدعة” وقال: “لفتنتهم عندي أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة” يعني الخوارج.
وقال: “تركوا هذا الدين أرق من الثوب السابري”.
وقال الزهري: “ما ابتدعت في الإسلام بدعة هي أضر على أهله من هذه” يعني الإرجاء.
وقال الأوزاعي: “كان يحيى وقتادة يقولان: ليس من أهل الأهواء شيء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء”.
وما ذاك إلا لأن هذه البدعة الخبيثة تجرد الاعتقاد من لازمه ومقتضاه، وتحيله إلى لون من المعرفة المجردة التي لا تتحقق بها عبودية لله رب العالمين.
وقد كشف شيخ الإسلام ابن تيمية عن سر هذا التلازم الحميم بين القول والعمل، والاعتقاد والسلوك، فقال: “فالإيمان لا بد فيه من هذين الأصلين: التصديق بالحق، والمحبة له؛ فهذا أصل القول، وهذا أصل العمل. ثم الحب التام مع القدرة، يستلزم حركة البدن بالقول الظاهر، والعمل الظاهر، ضرورة” (شرح حديث جبريل).
وتأسيساً على ما سبق فالإيمان، كما يراه أهل السنة والجماعة: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بطاعة الرحمن وينقص بطاعة الشيطان، وهو بهذا الشمول يتناول جميع مناحي الحياة، ويحيل رحلة العمر إلى عبادة مستمرة تباركه وتزكيه. قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام].

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *