الله جميل يحب الجمال

 

“الجمال” صفة مِن صفات الله عز وجل، فالله سبحانه جميل، جميلٌ في ذاته، جميلٌ في أسمائه، جميلٌ في أفعاله، جميلٌ في صفاته، يُحِبُّ الجَمال، ويُحِبُّ مِن عبادِه الاتِّصافَ بالتَّجمُّل. قال ابنُ الأَثِير في “النهاية في غريب الحديث والأثر”: “(إِنَّ اللهَ تَعَالَى جَمِيل): أَيْ حَسَنُ الأَفعَالِ، كَامِلُ الأَوصَاف”.

وقال ابن القيم ـ في كتابه “الفوائد”:

“وَمِن أعز أَنْوَاع الْمعرفَة معرفَة الرب سُبْحَانَه بالجمال، وهِي معرفَة خَواص الْخَلق، وَكلهمْ عرفه بِصفة مِن صِفَاته، وأتمهم معرفَة مَنْ عرفه بِكَمَالِهِ وجلاله وجماله، سُبْحَانَه لَيْسَ كمثله شَيْء فِي سَائِر صِفاته.. وَيَكْفِي في جماله أَن كل جمال ظَاهر وباطن فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَمن آثَار صَنعته، فمَا الظَّن بِمن صدر عَنه هذا الجمال. وَيَكْفِي في جماله أَنه لَه الْعِزَّة جَمِيعًا، وَالْقُوَّة جَمِيعًا، والجود كُله، وَالْإِحْسَان كُله، وَالْعلم كُله، والْفضل كُله، ولنور وَجهه أشرقت الظُّلُمَات.. وَمن أَسْمَائِهِ الْحسنى “الْجَمِيل”، وَفِي الصَّحِيح عنه صلى الله عليه وسلم: (إِن الله جميل يحب الْجمال). وجماله سُبْحَانه على أَربع مَرَاتِب: جمال الذَّات، وجمال الصِّفَات، وجمال الْأَفْعَال، وجمال الْأَسْمَاء. فأسماؤه كلهَا حُسنى، وَصِفَاته كلهَا صِفات كمَال، وأفعاله كلهَا حِكْمَة ومصلحة، وَعدل وَرَحْمَة. وَأما جمال الذَّات وَمَا هُوَ عَلَيْهِ فَأمر لَا يُدْرِكهُ سواه، وَلَا يُعلمه غَيره، وَلَيْسَ عِنْد المخلوقين مِنْهُ إِلَّا تعريفات تعرّف بهَا إِلَى من أكْرمه من عباده”.

وقال المناوي: “إن الله جميل أي له الجمال المطلق، جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، يحب الجمال أي التجمل منكم في الهيئة، أو في قلة إظهار الحاجة لغيره، والعفاف عن سواه”.

و”الجمال” صفةٌ ثابتةٌ لله عزَّ وجلَّ بالسنة النبوية الصحيحة.

فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْر. قالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِب أنْ يكون ثَوْبُه حَسَنًا ونَعْلُه حَسَنَة، قالَ: إنَّ اللَّه جمِيلٌ يُحِبُّ الجمال، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ (التكبر عن الإقرار به)، وغَمْطُ (احتقار) النَّاس) رواه مسلم. وللحديث روايات أخرى كلها تتفق على قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله جميل يحب الجمال).

قال الصنعاني: “(إن الله جميل) أي حسن الأفعال، كامل الأوصاف.. (يحب الجمال) يحب مِن العباد أن يتصفوا بما يجملهم من الأفعال الشريفة والأخلاق الفاضلة، من الحلم والكرم، والرحمة والعفو. وفي الديباج (الديباج شرح مسلم بن الحجاج للسيوطي): (إن الله جميل) أي: أمره تعالى جميل، فله الأسماء الحسنى وصفات الكمال والجمال”.

وقال أبو القاسم الأصبهاني في “الحُجة في بيان المَحجة”: قال بعض أهل النظر وقال: لا يجوز أنَّ يوصف الله بـ (الجميل)، ولا وجهَ لإنكار هذا الاسم أيضاً، لأنه إذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا معنى للمعارضة، وقد صح أنه قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الله جميل يحب الجمال) رواه مسلم. فالوجه إنما هو التسليم والإيمان”. وقال الشيخ ابن عثيمين: “(إن الله جميل يحب الجمال) جميل في ذاته، جميل في أفعاله، جميل في صفاته، كل ما يصدر عن الله عزّ وجلّ فإنه جميل وليس بقبيح، بل حَسن، تستحسنه العقول السليمة، وتستسيغه النفوس”.

وقال ابن القيم في قصيدته “النونية”:

وَهُوَ الجَمِيلُ عَلَى الحَقِيقَةِ كَيْفَ لا وجمَالُ سَائِرِ هذهِ الأكْوَانِ

مِنْ بَعْض آثَارِ الجَمِيلِ فَرَبُّهَا أَوْلْى وَأجْدرُ عِنْدَ ذِي العِرْفَانِ

فَجَمَالُهُ بِالذَّاتِ والأوصَافِ وَالأفعَالِ وَالأسماء بالبُرهَانِ

لا شَيءَ يُشْبِهُ ذَاتَهُ وصِفَاتِهِ سُبْحَانَهُ عَنْ إفْكِ ذِي بُهْتَانِ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *