لما نزل الموت بمحمد بن المنكدر رحمه الله بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: والله ما أبكي لذنب أعلم أني أتيته، ولكني أخاف أن أكون قد أذنبت ذنبًا حسبته هينًا وهو عند الله عظيم.
وقال بلال بن سعد: ” لا تنظر أيها التائب إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى عظمة من عصيت”.
ورسول الله سبق وحذَّر فقال:
“إياكم ومحقِّرات الذنوب! كقوم نزلوا في بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى أنضجوا خبزتهم، وإن مُحقِّرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها؛ تهلكه”.
وقد نفَّذ الصحابة وصيته فقال أحدهم مخاطبا جيل التابعين: “إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد النبي ﷺ من الموبقات”. فكيف بعهدنا؟!
ومن هنا كانوا يقولون:
“أربعة بعد الذنب أشد من الذنب: الإصرار والاستبشار والاستصغار والافتخار”.
وقال سهل التستري مبيِّنا أن كل ذنب لم تتبعه توبة له عقوبتين على أقل تقدير:
“ما من عبد أذنب ولم يتب إلا جرَّه ذلك الذنب إلى ذنب آخر وأنساه الذنب الأول”.
وتعظيم المعصية هو محصلة ضرب عوامل ثلاثة:
- تعظيم الآمر:
وهذه المنزلة تابعة للمعرفة، فعلى قدر معرفتك بالله يكون تعظيمك له، وأعرف الناس بالله: أشدهم تعظيما وإجلالا له، وأشدهم تعظيما له أكثرهم معرفة به. وقد ذمَّ الله تعالى من لم يعظِّمه حق عظمته، ولا عرفه حقَّ معرفته، فقال تعالى: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} نوح: 13. قال ابن عباس ومجاهد: لا ترجون لله عظمة.
- تعظيم الأمر:
وتعظيم الأمر هو من تعظيم الآمِر، وأهل الطاعات لا ينظرون إلى الفعل ولكن ينظرون من الذي أمر به، لا ينشغلون بالهدية عن الذي أهدى الهدية.
لو أمرك رئيسك في العمل بأمر وأنت على وشك ترقية منتظرة أو تعديل مرتب، فكيف تنظر إلى أمره وكيف تكون استجابتك لشرطه؟ ألن يكون أمره أو حتى مجرَّد توصيته تعليمات تنفَّذ وأوامر صارمة؟! فكيف إذا كان هذا مديرا أكبر أو وزيرا أو رئيسا تطمع في نظرة منه ونفحة من عطائه؟! فكيف بمن كل هؤلاء في قبضته.. الله الكبير المتعال؟! لطفه إن نزل فسعادة الأبد في الدارين؟! وإن رُفِع فالشقاوة التي لا تنتهي؟!
- اليقين بالجزاء:
أي عقوبات الذنوب المعجَّلة في الدنيا والمؤخَّرة في القبر أو يوم القيامة أو في النار، وكلما قرأ العبد هذه العقوبات بعيني قلبه وأبصرها ببصيرته كلما كان أكثر تعظيما لحرمات الله أبعد عنها، واسمع إلى حساسية أبي الدرداء في التعامل مع بعيره:
قال أبو الدرداء لبعير له عند الموت: يا أيها البعير!! لا تخاصمني إلى ربك فإني لم أكن أحملك فوق طاقتك!!