قد يحدث عن البخل من الأخلاق المذمومة، وإن كان ذريعة إلى كل مذمة، أربعة أخلاق ناهيك بها ذما وهي: الحرص والشره وسوء الظن ومنع الحقوق.
فأما الحرص فهو شدة الكدح والإسراف في الطلب. وأما الشره فهو استقلال الكفاية، والاستكثار لغير حاجة، وهذا فرق ما بين الحرص والشره قال بعض الحكماء: الشره من غرائز اللؤم.
وأما سوء الظن فهو عدم الثقة بمن هو لها أهل، فإن كان بالخالق كان شكا يؤول إلى ضلال، وإن كان بالمخلوق كان استخانة يصير بها مختانا وخوانا، لأن ظن الإنسان بغيره بحسب ما يراه من نفسه، فإن وجد فيها خيرا ظنه في غيره، وإن رأى فيها سوءا اعتقده في الناس.
وقد قيل في المثل: كل إناء ينضح بما فيه.
وأما منع الحقوق فإن نفس البخيل لا تسمح بفراق محبوبها، ولا تنقاد إلى ترك مطلوبها، فلا تذعن لحق ولا تجيب إلى إنصاف، وإذا آل البخيل إلى ما وصفنا من هذه الأخلاق المذمومة، والشيم اللئيمة، لم يبق معه خير مرجو ولا صلاح مأمول.
وأما السرف والتبذير فإن من زاد على حد السخاء فهو مسرف ومبذر، وهو بالذم جدير. وقد قال الله تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأعراف:31).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما عالَ منِ اقتصَدَ”. (رواه أحمد وغيره).
وقد قال المأمون رحمه الله: لا خير في السرف ولا سرف في الخير. وقال بعض الحكماء: صديق الرجل قصده، وسرفه عدوه. وقال بعض البلغاء: لا كثير مع إسراف ولا قليل مع احتراف.
وقال معاوية رضي الله عنه: كل سرف فبإزائه حق مضيع. وقال بعض الحكماء: الخطأ في إعطاء ما لا ينبغي ومنع ما ينبغي واحد.
وقال أيوب السختياني: لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عن أموال الناس، والتجاوز عنهم.
وقيل لسفيان: ما الزهد في الدنيا؟ قال: الزهد في الناس.
وقال بعض البلغاء: السخاء أن تكون بمالك متبرعا وعن مال غيرك متورعا.
ثم ليكن غالب عطاء العبد لله تعالى وأكثر قصده ابتغاء ما عند الله عز وجل كالذي حكاه أبو بكرة، عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أن أعرابيا أتاه فقال:
يا عمر الخير جُزيت الجنه اكس بنياتي وأمهنه
وكُن لنا من الزمان جُنه أقسم بالله لتفعلنه
فقال عمر – رضي الله عنه -: فإن لم أفعل يكون ماذا؟ فقال: إذا أبا حفص لأذهبنه.
فقال: فإذا ذهبت يكون ماذا؟ فقال:
يكون عن حالي لتسألنه يوم تكون الأعطيات هنه
وموقف المسئول بينهنه إما إلى نار وإما جنه
فبكى عمر – رضي الله عنه – حتى اخضلت لحيته ثم قال: يا غلام أعطه قميصي هذا لذلك اليوم لا لشِعره، أما والله لا أملك غيره.
وإذا كان العطاء على هذا الوجه خلا من طلب جزاء وشكر، وعرى عن امتنان ونشر، فكان ذلك أشرف للباذل، وأهنأ للقابل.
وأما المعطي إذا التمس بعطائه الجزاء، وطلب به الشكر والثناء فهو خارج بعطائه عن حكم السخاء؛ لأنه إن طلب به الشكر والثناء، كان صاحب سمعة ورياء، وفي هذين من الذم ما ينافي السخاء. وإن طلب به الجزاء كان تاجرا متربحا لا يستحق حمدا ولا مدحا.
وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما في تأويل قوله تعالى: {ولا تمنن تستكثر} [المدثر: 6] إنه لا يعطي عطية يلتمس بها أفضل منها.
وقال أبو العتاهية:
وَلَيْسَتْ يَدٌ أَوْلَيْتَهَا بِغَنِيمَةٍ إذَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ تُعِدَّ لَهَا شُكْرَا
غِنَى الْمَرْءِ مَا يَكْفِيهِ مِنْ سَدِّ حَاجَةٍ فَإِنْ زَادَ شَيْئًا عَادَ ذَاكَ الْغِنَى فَقْرَا