من مميزات منهج السلف اتباع منهج السلف لا ينافي التقدم أبو إسحاق نور الدين درواش

يعتقد كثير من الناس أن اتباع هذا المنهج يعني الوقوف عند حضارة الأوائل، ورفض لكل ما هو جديد، والإجهاز على كل مظاهر المدنية والتقدم، والتنكر لكل ما توصلت إليه البشرية من مكتسبات معرفية، وقدرات علمية حَقَّة.. حتى أن هناك من حكم على هذا المنهج بأنه مسكون بالارتياب من التقدم والجديد والخصومة مع الحضارة والمدنية.
وهذا لا محالة تصور خاطئ، إذ لا يظن عاقًل أن اتباع منهج السلف يعني وضع الأمة الإسلامية في متحف التاريخ!! بمعنى أن يتم إرجاعها للأخذ بوسائل العصور السابقة في الحياة العمرانية، بأساليبها في الإنتاج والنقل والتعليم والتطبيب وتشييد المدن وبناء المدارس والجامعات والمستشفيات..الخ
فإن هذه أمور توصلت إليها البشرية، وهي ملك لجميع البشر دون تفريق بين ألوانهم ولا أجناسهم ولا أديانهم، وكل ما كان منها مباحا شرعا فإن الأخذ به والاستفادة منه لا يعني الخروج عن منهج السلف بحال.
عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ رضي الله عنه: “أَنَّ النَّبِيَّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ ‏لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ، قَالَ فَخَرَجَ شِيصًا(*)، فَمَرَّ بِهِمْ، فَقَالَ: مَا لِنَخْلِكُمْ؟ قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ”. مسلم
قال القاضي عياض رحمه الله: “فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها لعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها يجوز عليه فيها ما ذكرناه، إذ ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة، وإنما هي أمور اعتيادية يعرفها مَنْ جرَّبَها وجعلها همَّه وشغل نفسه بها، والنبي صلى الله عليه وسلم مشحون القلب بمعرفة الربوبية ملآن الجوانح بعلوم الشريعة، مقيد البال بمصالح الأمة الدينية والدنيوية، ولكن هذا إنما يكون في بعض الأمور ويجوز في النادر فيما سبيله التدقيق في حراسة الدنيا واستثمارها لا في الكثير المُؤْذِن بالبَلَه والغفلة.” الشفا.
قال العلامة الشنقيطي رحمه الله: “ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: هديه إلى أن التقدم لا ينافي التمسك بالدين، فما خيله أعداء الدين لضعاف العقول ممن ينتمي إلى الإسلام: من أن التقدم لا يمكن إلا بالانسلاخ من دين الإسلام باطل لا أَساس له، والقرآن الكريم يدعو إلَى التقدم في جميع الميادين التي لها أهمية في دنيا أو دين. ولكن ذلك التقدم في حدود الدين، والتحلي بآدابه الكريمة، وتعاليمه السماوية..”.
ثم -في هذا الصدد- يجب التمييز بين التقدم في أبحاث العلوم التجريبية واستخدام نتائجها لتحسين الحياة البشرية -وهذا لا يعارض منهج السلف- وبين التقدم عند بعض الفئات الانهزامية، والذي لا يعدو الهبوط الروحي والانسلاخ الخلقي والنزول إلى درك التردي الذي وصلت إليه الحضارة الغربية، وسلوكنا مسلكهم سبيل للذل والهوان كمال قال عُمَر رضي الله عنه: “نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله”.
فإذا عرفنا كل هذا أصبح هدف منهج السلف (السلفية) واضحًا أمامنا كضوء الشمس، وهو يتلخص في “تطهير العقيدة من شوائب البدع، وتربية الشخصية الإسلامية، وفتح الذهن البشري لقبول كل جديد في ميادين العلوم التجريبية، وإحياء العقيدة من منابعها بعيدًا عن المذهبية الضيقة بصورتها الأخيرة أو تطويع العقيدة والشريعة في الإسلام لدعاوى التطوير الخاطئة، ورفض فكرة لادينية الدولة”.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الشِيْص: تمرٌ لا يشتدُّ نواهُ، أو حمل النخلة الذي لا نوى لهُ وهو رديٌّ مذمومٌ أو هو أردأُ التمر. لسان العرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *