النذر لغير الله

الوفاء بنذر الطاعة من العبادات التي شرعها الله، ومدح أهلها في آيات كثيرة، فبيَّن أن من خصال الخير في المؤمنين أنهم:{يوفون بالنذر}(الإنسان:7 ) وأنه يجازي الموفين به أوفر الجزاء فقال تعالى:{وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه}(البقرة: 270).

وأثنى على امرأة عمران حين نذرت ما في بطنها خالصا لله لخدمة بيته، فقال سبحانه:{إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني إنك أنت السميع العليم}(آل عمران: 35) .

وإذا كان النذر بهذه المنزلة من الشريعة فإن صرفه لغير الله من الشرك الأكبر، كمن نذر ذبيحةً أو صلاةً أو صوماً أو صدقةً بقصد العبادة والقربة لقبر أو ضريح، يقول العلامة ابن الأمير الصنعاني: “وأما النذور المعروفة في هذه الأزمنة على القبور والمشاهد والأموات فلا كلام في تحريمها؛ لأن الناذر يعتقد في صاحب القبر أنه ينفع ويضر، ويجلب الخير ويدفع الشر، ويعافي الأليم، ويشفي السقيم. وهذا هو الذي كان يفعله عباد الأوثان بعينه، فيحرم -النذر للقبر- كما يحرم النذر على الوثن، ويحرم قبضه لأنه تقرير على الشرك، ويجب النهي عنه، وإبانة أنه من أعظم المحرمات، وأنه الذي كان يفعله عباد الأصنام”.

فرغم وضوح الأدلة على تحريم صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله كالذبح والنذر وغيرها، إلا أن هذه الظواهر تكاد لا تخطئها العين في مجتمعات المسلمين من حيث الظهور والانتشار، ويعود السبب في ذلك إلى فشو الجهل بين المسلمين، وخفاء أحكام الإسلام عن الكثير منهم، أضف إلى ذلك التقليد الأعمى، والتمسك بما عليه الآباء والأجداد، وإذا كان الجهل هو سبب ظهور هذه الظواهر فإن التقليد هو سبب دوامها واستمرارها .

ومن أسباب انتشار هذه الظواهر أيضاً تبرير البعض الذين تتقاطع مصالحهم مع بقاء هذه الضلالات، فتجدهم يدافعون وينافحون عنها، حرصا على مصالحهم ومكاسبهم التي يجنونها من وراء ذلك.

أما طريق علاج هذه الظواهر فيكون بنشر العلم الشرعي، والعقيدة الصحيحة، المصحوب بالرفق بالمخاطبين، وعدم التعنيف عليهم، فما كان الرفق في شيء إلا زانه، مع مراعاة أن القوم قد نشؤوا على هذه الانحرافات، وبالتالي فإنه هجرهم لها بعد طول عهد شديد على النفس، فضلاً عما قد يجلبه عليهم من جفاء أهليهم وذويهم .

ومن سبل العلاج أيضاً التوجه إلى الشيوخ الذين يبررون مثل هذه الأفعال ومناصحتهم ومحاورتهم بالتي هي أحسن، وبيان ضلال هذه المسالك، وتذكيرهم بحال السلف والصحابة والتابعين وأئمة الإسلام العظام كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، الذين لم ينقل عن أحد منهم أنه فعل ذلك أو جوّزه، وكل خير في اتباعهم وسلوك طريقهم، فذلك حريٌّ بأن يوقظ القلوب من الغفلة، ويرد الشاردين إلى دينهم، كما فهمه السلف الصالح رحمهم الله جميعا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *