سلسلة مقالات نقدية حول المنطق موقف ابن الصلاح من المنطق  (1) د.محمد أبو الفتح

من المعلوم أنه قد اختلفت أقوال العلماء في حكم الاشتغال بالمنطق، ما بين مُحَرِّم، ومُجيز، ومُوجب. وَمِنْ أَشهر العلماء الذين حرموا الاشتغال بالمنطق ابن الصلاح في فتوى له، وتبعه على ذلك النووي رحمهما الله جميعا، ومن أشهر الذين ألفوا في ذم المنطق ونقض قواعده شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، له في ذلك جواب مختصر طُبع باسم “نقض المنطق”، ثم طُبع بعنوان “الانتصار لأهل الأثر”، وله كلام مفصل في كتابه “الرد على المنطقيين” والمسمى أيضا ب “نصيحة أهل الإيمان في الرّدّ على منطق اليونان”، والذي اختصره السيوطي في كتابه “جَهْدُ القريحة في تجريد النصيحة”، ثم ألف السيوطي في ذلك مؤلفا على طريقة الاجتهاد سماه “صَوْنُ المنطق والكلام عن فَنَّي المنطق والكلام”،  وبَيَّنَ فيه عِلَلَ تَحْرِيمِ الاشتغال المنطق، وكان قد ألف قبل ذلك كتابا سماه:  “القول المشرق في تحريم الاشتغال بالمنطق”، وهي فتوى كانت جوابا عن سؤال ذكر فيها أسماء من ذم المنطق من علماء المسلمين، فذكر من غير حصر ما يزيد عن أربعين عالما من مختلف المذاهب الفقهية([i]).

والذي دعاني إلى كتابة هذه الأسطر أنِّي رأيت كثيرا ممن يُدَرِّس المنطق-وبعضُهم من فُضَلاء أهل السنة وعلمائهم- يزعم أن المنطق الذي حَرَّم الاشتغال به وذمه هؤلاءِ العلماء؛ إنما هو المنطق المشوب بالفلسفة، وأما المنطق الذي خَلَّصه العلماء من أقوال الفلاسفة، وشوائب الفلسفة -بزعمهم- فإنه لا خلاف في مشروعية الاشتغال به، بل حكى بعضهم الإجماع على مشروعيته، وادعوا أنه لا يمنع من دراسته وتدريسه إلا من جَهِلَه، ومن جَهِلَ الشيء عاداه([ii]).

فما مدى صحة هذا الزعم؟ وهل المنطق الذي ألف شيخ الإسلام في نقض قواعده، وأفتى ابن الصلاح قبله، والسيوطي بعده بتحريم الاشتغال به هو المنطق المشوب بشبه الفلاسفة فحسب؟ وإذا كانوا قد حرموا المنطق مطلقا فما مستندهم في ذلك؟ وما علة قولهم بتحريم الاشتغال به؟

للجواب عن هذه الأسئلة نحتاج إلى النظر في كلام هؤلاء العلماء بإنصاف وموضوعية، حتى لا ننسب إليهم ما لم يقولوا به، مُتَوِخِّينَ في ذلك الأمانة العلمية، والنقاش العلمي الهادئ، المتجرد من التقليد والعصبية، والأحكام المسبقة …

 

وهذا كله بغضِّ النظر عن موقف القارئ من الرأي الْـمُحَرِّم، فإن نسبةَ الأقوال إلى غير قائليها غيرُ جائز بإطلاق، وتقييدُها بغير مقيد تَحَكُّم باتفاق…

ولتكن البداية مع فتوى ابن الصلاح رحمه الله، المنشورة ضمن فتاواه (1/209):

  • فتوى ابن الصلاح:

إن الناظر في فتوى ابن الصلاح بإنصاف لا يجد فيها ما يساعد على تقييد فتواه بمنطق (مشوب بشبه الفلاسفة) دون منطق (مُخَلَّص من شبه الفلاسفة) ، بل يجد القرائنَ كلَّها تدل على أن حكمه بتحريم الاشتغال بالمنطق لم يكن مقيدا بالمنطق المشوب بشبه الفلسفة، ومن تلكم القرائن:

  1. أولا: الإطلاق الذي ورد في سؤال السائل، ثم في جواب الشيخ رحمه الله:

حيث قال السائل: “هل الْمنطق جملَةً وتفصيلا مِمَّا أَبَاحَ الشَّارِع تَعْلِيمه وتعلمه، وَالصَّحَابَة والتابعون وَالْأَئِمَّة المجتهدون وَالسَّلَف الصالحون ذكرُوا ذَلِك؟ أَو أباحوا الِاشْتِغَال بِهِ؟ أَو سوغوا الِاشْتِغَال بِهِ أم لَا؟ ”

فالسائل يسأل عن المنطق جملة وتفصيلا، ولا يقصد بالسؤال منطقا دون منطق…

فكان جواب ابن الصلاح رحمه الله بعد ذمه الشديد للفلسفة، قائلا: “الفَلْسَفَةُ رَأْسُ السَّفَهِ والانْحِلَالِ، وَمَادَّةُ الحَيْرَةِ وَالضَّلَالِ، وَمَثَارُ الزَّيْغِ وَالزَّنْدَقَة…“.

ثم قال في المنطق مُطْلِقاً الجَوَابَ غَيْرَ مُقَيِّدٍ وَلا مُفَصِّل: “…وَأما الْمنطق فَهُوَ مدْخل الفلسفة، ومدخل الشَّرّ شَرّ، وَلَيْسَ الِاشْتِغَال بتعليمه وتعلمه مِمَّا أَبَاحَهُ الشَّارِع، وَلَا استباحه أحدٌ من الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَالْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهدين، وَالسَّلَفِ الصَّالِحين، وَسَائِرِ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ من أَعْلَامِ الْأَئِمَّة وسادتِها، وأركانِ الْأمَّةِ وَقَادَتِها. قد بَرَّأَ اللهُ الْجَمِيعَ من مَعَرَّةِ ذَلِك وَأَدْنَاسِه، وطَهَّرهم مِنْ أَوْضَارِه”.

  • قلت: لو كان ابن الصلاح يُفَرِّق بين المنطق المشوب بالفلسفة وبين غيره لَفَصَّل الجواب، ولما أفتى بالتحريم جملة وتفصيلا. ولو طُرِحَ هذا السؤال على المدافعين عن المنطق وَالـمُدَرِّسِينَ له لاضطروا إلى التفصيل والتفريق بين المنطق المشوب وغير المشوب… فلو كان ابن الصلاح يعتقد هذا التفريق لما جاز له أن يُجْمِل الجواب في مقام يقتضي التفصيل…

خاصة إذا كان الحكمُ يتعلق بِعِلْمٍ يَدَّعِي أَصْحَابُه أنه يعصم الفكر عن الضلال، وأنه للجنان بمنزلة النحو للسان!!!

وبالأخص إذا علمنا أن المنطق في زمن ابن الصلاح (643هـ) يزعم المدافعون عنه أن العلماء وعلى رأسهم أبو حامد الغزالي (505ه) كانوا قد جَرَّدُوه من شُبَه الفلاسفة، وَرَدُّوها عليهم كما فعل الغزالي في كتابه: “تهافت الفلاسفة” الذي رَدَّ فيه على شبه الفارابي وابن سينا، واللَّذَيْن هما أبرز الفلاسفة المنتسبين للإسلام، الذين اشتغلوا بالمنطق وألفوا فيه.

فابن الصلاح لم يفرق بين مشوب وغير مشوب، ولكنه علل حكمه بكون المنطق مدخلا للفلسفة، ولو كان يقصد بحكمه المنطق المشوب بشبهها، لقال: “المنطق المخلوط بشبه الفلاسفة…”، لكنه قال عوض ذلك ” المنطق مدخل للفلسفة“…

وفي فتوى ابن الصلاح قرائن أخرى كلها تدل على ذمه للمنطق مطلقا من غير تفصيل، كما سيأتي معنا في المقال التالي بحول الله…

———————————

([i]) الحاوي للفتاوي1/300.

([ii]) الذي أوقع بعض أهل السنة في هذا القول هو حملهم لكلام الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي في مذكرته على إطلاقه، وسيأتي الجواب عن ذلك إن شاء الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *