مقامات الصوم نظرات سلوكية في عبادة الصوم

أصل الدين ومبدأ التكاليف كلها أعمال القلوب وعبادة الباطن، كما قال العز بن عبد السلام رحمه الله: “مبدأ التكاليف كلها ومصدرها القلب، وصلاح الأجساد موقوف على صلاح القلوب، وفساد الأجساد موقوف على فساد القلوب..” قواعد الأحكام 1/167.

وهذا الأمر قائم على ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب شرعا، ولذا يجب الاعتناء بأعمال عبودية القلب عند أداء أعمال الجوارح، وتحريك ذلك واستشعاره لكي يخرج المرء من مجرد صور الطاعات إلى أداء حقائقها.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “إن لله على العبد عبوديتين عبودية باطنة وعبودية ظاهرة، فله على قلبه عبودية، وعلى لسانه وجوارحه عبودية، فقيامه بصورة العبودية الظاهرة مع تعريه عن حقيقة العبودية الباطنة مما لا يقربه إلى ربه، ولا يوجب له الثواب وقبول عمله” بدائع الفوائد 3/229-230.
ومن هذه العبادات التي ينبغي إعمال هذا الأصل الأصيل فيها: عبادة الصوم، فحتى تؤتي أكلها وتظهر آثارها السنية وموجباتها العلية تربية وخلقا وأدبا وسكونا وطمأنينة.. فلا بد من ربطها بالمقامات الإيمانية وبجملة من العبادات القلبية، وهاك بيان ذلك:

الصوم ومقام الإخلاص
فالصوم من جملة العبادات التي يشترط لقبولها الإخلاص لله تعالى فيها مصداقا لقوله عز وجل: “وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء”.
وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل: “الصوم لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي..”.
فقوله: “من أجلي” تنصيص على تحقيق منزلة الإخلاص في هذه العبادة الجليلة، فالإخلاص روح الطاعات وبه تصفية الأعمال والقربات.
قال ابن القيم رحمه الله: “وأما تصفية الأعمال بالإخلاص: فهو تجريدها عن أن يشوبها باعث لغير الله وهي عبارة عن توحيد المراد وتجريد الباعث إليه” المدارج 1/476.
وقال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: “الصوم في الشريعة ليس بالإمساك عن الطعام والشراب لأن كل ممسك عن الطعام والشراب إذا لم ينو بذلك وجه الله ولم يرد أداء فرضه أو التطوع لله به فليس بصائم في الشريعة” التمهيد 19/60.
وقال المناوي رحمه الله: “(يدع طعامه وشرابه من أجلي) نبه به على أن الثواب المرتب على الصيام إنما يحصل بإخلاص العمل، فإن كان لغرض مذموم كرياء، كان وبالا، فربَّ صائم حظه من صيامه الجوع، ورب صائم حظه القرب والرضا” فيض القدير 4/251.

الصوم ومقام الصبر
الصيام عبادة قائمة على الإمساك عن المفطرات، والفطام عن الذنوب والمنكرات مما يبين أهمية منزلة الصبر عند أدائه فقد قيل: “الصبر على الطلب عنوان الظفر، وفي المحن عنوان الفرج” المدارج 2/160.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحر الصدر” صحيح الترغيب والترهيب 1/294.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: “الصيام من الصبر وقد قال الله تعالى: “إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب” ولهذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمى شهر رمضان شهر الصبر.
والصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة..
وتجتمع الثلاثة في الصوم فإن فيه صبرا على طاعة الله، وصبرا عما حرم الله على الصائم من الشهوات، وصبرا على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع والعطش وضعف النفس والبدن” لطائف المعارف 1/168.
ومن صور تحقيق هذه المنزلة في عبادة الصوم قول الصائم لمن سابه أو شتمه: “إني صائم” فما حمله على قول ذلك إلا الصبر لله تعالى. ففي الحديث عند البخاري وغيره قوله عليه الصلاة والسلام: “الصيام جنة فلا يرفث، ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم -مرتين-..”.

الصوم ومقام الشكر
من المقرر عند أهل العلم أن الإيمان نصفان: نصفه صبر والآخر شكر، مما يبين ضرورة ربط الطاعات بمنزلة الشكر، وهذا الأخير يكون بالقلب واللسان والعمل، فالعزم -إذن- على أداء هذه العبادة العظيمة بإخلاص وصدق تحقيق للشكر مصداقا لقوله جل وعلا: “بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِين”.
وأظهر صور الشكر في يوم الصوم عند الإفطار، فبعدما فرض الله على العباد الإمساك عن المفطرات أباح لهم ذلك عند غروب الشمس الذي يحل به الأكل شرعا، ويتحسس الصائم ذلك ويستشعره إذا قال عند فطره كما في الحديث الحسن: “ذهب الظمأ وابتلت العروق..”
قال ابن رجب رحمه الله: “الصائم يدع طعامه وشرابه لله فإذا أعان الصائمين على التقوى على طعامهم وشرابهم كان بمنزلة من ترك شهوة لله وآثر بها أو واسى منها، ولهذا يشرع له تفطير الصوام معه إذا أفطر لأن الطعام يكون محبوبا له حينئذ فيواسي منه حتى يكون ممن أطعم الطعام على حبه، ويكون في ذلك شكر لله على نعمة إباحة الطعام والشراب له ورده عليه بعد منعه إياه، فإن هذه النعمة إنما عرف قدرها عند المنع منها” لطائف المعارف1/183.

الصوم ومقام الخوف والمحبة والرجاء
معتقد أهل السنة والحديث عبادة الله تعالى خوفا ورجاء ومحبة، فمن جمع بين هذه المقامات في الطاعات فهو موحد صديق كما ورد عن بعض السلف.
قال السعدي رحمه الله في وصف السائرين إليه سبحانه:
وهم الذين بنو منازل سيرهم *** بين الرجا والخوف للديان
وهم الذين ملأ الإله قلوبهم *** بوداده ومحـــبة الرحمان
وحقيقة المحبة ميل القلب إلى المحبوب كما نص عليه القاضي عياض رحمه الله في كتابه “الشفا”، ومنزلتها بين المنازل هي لب الطاعات وروحها ومخها كما ذكره أهل العلم، بحيث لو “غرست شجرة المحبة في القلب، وسقيت بماء الإخلاص، ومتابعة الحبيب -صلى الله عليه وسلم-، أثمرت أنواع الثمار وآتت أكلها كل حين بإذن ربها أصلها ثابت في قرار القلب وفرعها متصل بسدرة المنتهى” المدارج 3/9.
ومما يحمل على ميل القلوب إلى عبادة الصوم ثم أداؤها بعد على وجهها الوقوف على فضائلها، ومن ذلك استحضار أن هذه الطاعة من جملة الطاعات والقربات أضافها الله إليه دون غيرها، مع أن الكل له سبحانه ففي الحديث الصحيح القدسي قوله سبحانه:” الصوم لي وأنا أجزي به..” الحديث.
قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: “وفي قوله: الصوم لي فضل عظيم للصوم لأنه لا يضاف إليه إلا أكرم الأمور وأفضل الأعمال” الاستذكار 3/375.
ومما يحمل على الميل لهذه الطاعة كذلك ما ورد في الحديث نفسه: “لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك”.
قال ابن القيم رحمه الله: “ومن المعلوم أن أطيب ما عند الناس من الرائحة رائحة المسك، فمثَّل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخلوف عند الله تعالى بطيب رائحة المسك عندنا، وأعظم ونسبة استطابة ذلك إليه سبحانه وتعالى كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين..” الوابل الصيب 43.
أما قوله في الحديث: “وأنا أجزي به” يحمل على رجاء ثواب هذه العبادة من الله تعالى، هذا مع أدائها على وجهها حتى لا يكون الرجاء غرورا وكذبا، فقد أجمع أهل العلم والعرفان على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل.
قال شاه الكرماني رحمه الله: “علامة صحة الرجاء: حسن الطاعة” المدارج 2/36.
أما تحقيق مقام الخوف عند هذه الطاعة فمن المهمات لها كسائر العبادات حتى لا يتسلل داء العجب إلى قلب العبد فيهلك.
قال الله تعالى: “وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ”. المؤمنون 60.
قال الحسن عند هذه الآية: “عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن تُردَّ عليهم” انظر المدارج 1/512.
فالصائم عند إفطاره يتكلم بما يوجب هذا المقام حيث يقول: “ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله”.
فقوله: إن شاء الله، يحمل على تحقيق منزلة الخوف إذا تم تحسس معناه حيث أنه علق الأجر والثواب بمشيئة الله تعالى.
في عون المعبود 5/235 قيل في معنى ذلك: “لِئَلاَّ يَجْزِم كُلّ أَحَد فَإِنَّ ثُبُوت أَجْر الْأَفْرَاد تَحْت الْمَشِيئَة”.

الصوم ومقام الشوق
الاشتياق هو: “سفر القلب في طلب محبوبه” كما قال ابن القيم رحمه الله في المدارج.
وليعلم أن طلب الشوق إلى لقائه سبحانه يبعث “على كمال الاستعداد، وعلى خفة أعباء السير والمزيل لكل فتور، والحامل على كل صدق وإخلاص وإنابة وصحة معاملة” المدارج 2/421.
والصائم يقف على هذا المقام الرفيع إذا استحضر وعاش مع ما ورد في الحديث الصحيح: “للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه”.
قال الحافظ في الفتح 4/118: “قوله: وإذا لقي ربه فرح بصومه أي: “بجزائه وثوابه”، وقيل الفرح الذي عند لقاء ربه، إما لسروره بربه، أو بثواب ربه على الاحتمالين. قلت: والثاني أظهر إذ لا ينحصر الأول في الصوم بل يفرح حينئذ بقبول صومه وترتب الجزاء الوافر عليه”.
فاحرص أيها الصائم الكريم على هذه المعاني الجليلة، واعمل على تحقيقها حتى تنال الثواب الكامل والأجر الجزيل لهذه العبادة، واسعَ جاهدا لتلمسها وتحسسها قدر الإمكان، و”خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ”.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *