تعليم الصلاة بين فقه الدليل والتعصب للمذهب

إن المسلم العارف بقدر الصلاة ومنزلتها من الدين يوقن بضرورة العناية بتعلمها بشكل كامل وصحيح؛ لا سيما حين يستحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم: “أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة؛ فإن صلحت صلح له سائر عمله وإن فسدت فسد سائر عمله” [صحيح الجامع].

فهذا الصلاح يعني اكتمال مجموعة من العناصر ترجع كلها إلى المعرفة الصحيحة بأقوال وأفعال وأحكام هذه العبادة.
وهناك أمور تقف حجر عثرة أمام قيام المسلم بهذا الواجب؛ جماعها: الجهل بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في كيفية إقام الصلاة.
وهذا الجهل له أسباب؛ منها: التقصير في طلب العلم والتفقه في الدين، ومنها: الاقتصار على ما ورثه المسلم في هذا الباب؛ فيحرص على أداء الصلاة كما تعلمها أول مرة من الوالدين أو غيرهما كأنه مقدس لا يحتمل التخطئة، ومنها: عدم الوعي بضرورة تعلم أحكامها كما علمنا إياها النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها: جهله بحجية السنة النبوية وكيفية ثبوتها، مما يجعله مرتابا فيما ينقل إليه عن النبي عليه الصلاة والسلام..
ويبقى من أهم العوائق؛ التعصب لمذهب أحد الأئمة ولو ثبت الدليل بخلاف مذهبه.
والحق أن التعصب المذهبي بلية ابتليت بها الأمة منذ قرون، وقد كانت من أعظم أسباب الانحراف والانحطاط الذي يتخبط فيه كثير من المسلمين.
كيف لا؟ وقد بلغ الأمر ببعض المتعصبة إلى درجة الرد الصريح المباشر للنص الجلي ثبوتا ودلالة؛ والذي عبر عنه بعض المتفقهة -عندنا- الذين عارضوا الإصلاح الذي تزعمه السلطان العلوي العالم سيدي محمد بن عبد الله في مطلع القرن الثالث عشر الهجري؛ والذي كان من عناصره: نبذ الجمود الفقهي واعتماد فقه الدليل بدل التعصب المذهبي، فكان جواب أولئك المتفقهة: “نحن خليليون؛ إن اهتدى خليل اهتدينا، وإن ضل ضللنا”.
وتكرر مثل هذا في زمن السلطان محمد الخامس، وقبله السلطان مولاي عبد العزيز، كما حكى ذلك العلامة تقي الدين الهلالي في بعض مقالاته.
إن اعتماد فقه الدليل لا يعني إلغاء المذهب المالكي، والتنكر لما فيه من فقه وعلم؛ وإنما يعني التمسك بما أرشد إليه الإمام مالك من ترك التعصب لقوله ولو خالف الدليل، وبما أرشد إليه من عدم حصر الصواب والعلم في مذهبه:
عن ابن القاسم عن مالك قال: “ليس كلما قال الرجل قولا –وإن كان له فضل– اتبع عليه لقول الله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}”.
وعن ابن وهب قال: قال لي مالك بن أنس: «لا تعارضوا السنة وسلموا لها».
وقال مالك: «إنما أنا بشر أخطأ وأصيب فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه».
وقال رحمه الله: «ليس من أحد إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم».
فالصواب أن نستفيد من المذهب في فقه العبادات وغيرها، جاعلين النص معلما أساسيا في هذا الطريق، مقدمين دلالته في حال التعارض بينه وبين ما يروى في المذهب.
ومن أشهر ما يمثل به لهذا الأصل في باب الصلاة؛ مسألة القبض والإرسال، التي عرفت نقاشا كبيرا طيلة عقود بين العلماء المتّبعين والمتعصبين، كما عرفت سجالا في الدروس السلطانية في عهد عدد من ملوك الدولة.
والحق الذي يصعب إنكاره؛ أن مخالفة مشهور المذهب للسنة ولقول الإمام مالك في هذه المسألة مخالفة ظاهرة وجلية:
الدليل:
أخرج مسلم في صحيحه عن وائل بن حجر: “كان صلى الله عليه وسلم يضع يده اليمنى على اليسرى”.
وأخرج ابن حبان في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم: “إنا معشر الأنبياء أمرنا بتعجيل فطرنا وتأخير سحورنا وأن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة”.
قال القاضي عياض في شرحه لمسلم: “والآثار بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك والحض عليه صحيحة”.
مشهور المذهب:
قال ابن القاسم في المدونة :”وسئل مالك في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة؟ فقال: لا أعرف ذلك في الفريضة، وكان يكرهه”.
فالواجب هنا ديانة، وعملا بتوجيهات إمامنا مالك؛ أن نترك المذهب للدليل، وهو ما فعله الإمام نفسه؛ حيث رجع إلى الصواب وترك قوله بالكراهة :
فقد روى في موطئه عن سهل بن سعد أنه قال: “كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة”.
وترجم له بقوله: باب وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة.
وقس على هذا المثال سائر مسائل الصلاة التي يتعارض فيها الحديث الصحيح وقول المذهب.
.. أيها القراء الكرام؛ إن قوله عليه السلام: “صلوا كما رأيتموني أصلي” حديث صحيح مخرج في أوثق دواوين السنة، ودلالته أصح من ثبوته، حيث جعلت مناط التقليد والاتباع في إقام الصلاة هو النبي صلى الله عليه وسلم، وليس أحدا من الأئمة الأجلة؛ فإذا تيسر لعموم الناس عالم أو أكثر اجتهدوا في نقل هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فالواجب اتباع ذلك الهدي، ولا تجوز مخالفته.
وشبهة المتعصب في رد هذه الحقيقة قوله: لو كان هذا هو الصواب لما خفي على إمامنا.
وهذا خطأ من وجوه:
1- الإمام ليس معصوما من الخطأ.
2- الإمام ليس محيطا بالأدلة كلها.
3- يقال في غيره من الأئمة ما قيل فيه؛ فكيف نصنع فيما اختلفوا فيه؟
4- قوة دلالة النص في فقه العبادات تجعل الاتباع له (للنص) فيها أوكد، لأنها -في الأغلب- صريحة وواضحة لا تحتمل التوسع في التأويل، بخلاف فقه المعاملات الذي يكون فيه مجال أوسع للنظر والاجتهاد..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *