وقفات مع كتاب التعالم المؤلفات في التعالم إعداد عابد عبد المنعم

وليعلم أن سلطان ما قيدته هنا إنما هو على حساب من انسحب واعظ الله من قلبه، متسورا(1) العلم الشرعي، وقد فاته العلم وقد فرط في العمل، وانسلخ من الزمن، فلا ماض، ولاحال، ولا مستقبل، فاته العلم بالتلقي ومثافنة(2) الشيوخ، والإمداد السليم، وكثرة الكشف، وطول البحث، وقلبٍ عقول(3)، ولسانِ سؤول، قال أبو بكر الدينوري المتوفى (532هـ) رحمه الله تعالى:

تمنيتُ أن تسمى(4) فقيها مناظرا *** بغير عَناء والجنونُ فنونُ
فليسَ اكتسابُ المالِ دون مشقًّة *** تلقَّيتَها فالعلم كيف يكونُ
فيا رُبَّة لحنَة، ولايملك في اللغة بُلغة.
لايدري الفقه فضلا أن يكون فقيها، خل(5) أن يكون فقيه النفس، وهو الذي يعلق الأحكام بمداركها الشرعية، وهو أنفس صفات علماء الشريعة.
أما الحديث فأنى له؟ وقد قال أبو سعد السمان المعتزلي المحدث: “من لم يكتب الحديث لم يتغرغر بحلاوة الإسلام”.
وأما فهم في كتاب الله تعالى فهو أعز من بيض الأُنُوق(6)، ولاتستغرب مقالي هذا، فهو امتداد لشكوى الأئمة السابقين ومنهم قول الذهبي رحمه الله: “وأما اليوم فقد اتسع الخرق، وقل تحصيل العلم من أفواه الرجال، بل ومن الكتب غير المغلوطة، وقد النقلة للمسائل وقد لا يحسن يتهجى” السير 11/377.
وقال أيضا رحمه الله تعالى في ترجمة هذبة بن خالد المتوفي سنة 235 هـ: “قال عبدان: سمعت عباس بن عبد العظيم يقول: هي كتب أمَيَّة بن خالد، يعني التي حدث بها هذبة، قلت رافق أخاه أمية في الطلب، وتشاركا في ضبط الكتب، فساغ له أن يروي من كتب أخيه، فكيف بالماضين لو رأونا اليوم نسمع من أي صحيفة مصحفة على أجهل شيخ له إجازة، ونروي من نسخة أخرى بينهما من الإختلاف والغلط ألوان، ففاضلنا يصحح ما تيسر من حفظه، وطالبنا يتشاغل بكتابه أسماء الأطفال، وعالمنا ينسخ، وشيخنا ينام، وطائفة من الشبيبة في واد آخر من المشاكلة والمحادثة، لقد اشتفى بنا كل مبتدع، ومجَّنَا(7) كل مؤمن، فهؤلاء الغثاء هم الذين يحفظون على الأمة دينها؟ كلا والله فرحم الله هدبة وأين مثل هدبة؟ نعم ما هو في الحفظ كشعبة” اهـ.
ورحم الله ابن رشد إذ قال: “كان العلم في الصدور واليوم في الثياب”.
وأما التفريط في العمل: فكم رأى الراؤون وجوها يعلوها ذل المعصية والافتقار إلى السمت الصالح، والهدي الحسن، فكم من متصدر للعلم في أي من مجالاته وهو قرندل(8) متختم بالذهب، شارب للتبغ، صانع للقزع(9) بل لا يشهد صلاة الجماعة إلا لماما.
ورحم الله القاضي الفارقي الشافعي المتوفي سنة 528هـ إذ كان يرى حلق القزع من الميت، فقال: لأنه يكره تركه من الحي، فكذلك الميت.
وإذا كان فيما يقابل بها لخلق وجهاً لوجهٍ فكيف فيما سواه مما ينطوي عليه من اتجاهات ومشارب عقدية، عاقها الكدر عن اللحوق بعقيدة السلف؟
فلله الأمر من قبل ومن بعد.
ورضي الله عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه إذ يروى عنه قوله: “هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل”.
وقال بعضهم: “العلم دعوى، والعالم مدَّع، والعمل شاهد, فمن أتى بشهود دعواه صحت للمسلمين فتواه”.
وقال الفراء النحوي رحمه الله تعالى: “أدَبُ النفس ثم أدَبُ الدرس”.
وكان سفيان رحمه الله تعالى يقول: “تعوذوا بالله من فتنة العابد الجاهل ومن فتنة العالم الفاجر، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون”.
فكأن الإستقامة وسيلة عزل عن نيل المآرب الدنوية والحظوظ الزائلة.
فينادي على حال بعضهم قول الدينوري رحمه الله تعالى:
من يستقمْ يُحرم مُناهُ ومن يزغ *** يختصُّ بالإسعافِ والتمكينِ
انظرْ إلى الألِف استقامَ فَفَاته *** عجمٌ وفازَ به اعوجاجُ النون
هذه شذرات فيها قوارع لخوارم المتعالمين، وسيرى الناظر إن شاء الله تعالى هذا التقييد مشوَّفا(10) معلَّما يجلوا عوارض هذه الخوارم(11)، ويفترع منها العوائر(12) لتكون عاصمة من تلك القواصم، فاضحا لكل متعالم غيرة لله ودينه وشرعه، واحتسابا في سبيل نصرته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- متسورا: متسلقا.
2- مثافنة: أي ملازمتهم، من الفعل: ثافن، يقال ثافن الرجل أي لازمه حتى عرف باطن امره.
3- عقول: كثير السؤال، وقد قيل مفتاح العلم السؤال.
4- تسمى: ترتفع.
5- خَلّ: اترك.
6- الأُنُوق: طائر العقاب، وقوله: “أعز من بيض الأنوق” مثل يضرب عند ندرة الشيء، لأن طائر العقاب يعيش في رؤوس الجبال والأماكن الصعبة، ولذا يعز بيضها فلا يظفر به.
7- مجَّنَا: يقال مج الماء: لفظه من فيه، والمعنى كرهنا.
8- قرندل: في لغة المصريين “حالق لحيته” كما في ضوء اللامع 10/101.
9- القزع: حلق بعض الشعر وترك بعضه.
10- مشوفا: أي بارزا ظاهرا.
11- الخوارم: جمع خارمة، وهو الفعل الذي يسقط المروءة.
12- يفترع العوائر: أي ينتزع العلل التي أصابتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *