استقامة السير إلى الله والدار الآخرة

اعلم عبد الله أنه من هدي في دار الدنيا إلى الاستقامة والسبيل القويم، هدي في الآخرة إلى الصراط المستقيم الموصل إلى جنة العلي الكريم، وعلى قدر ثبوت قدمك واستقرارها على هذا الصراط الذي نصبه الرب الغفار تفضلا على عباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمك على الصراط الممدود على متن جهنم كما جاءت بذلك الوعود، وعلى قدر سيرك على هذا الصراط موافقة ومخالفة للشيطان المَريد يكون سيرك على ذاك الصراط الذي أمده الرب المَجيد، فـ{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}.

“والاستقامة كلمة جامعة، آخذة بمجامع الدين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق، والوفاء والعهد، تتعلق بالأقوال، والأفعال، والأحوال، والنيات. فالاستقامة فيها: وقوعها لله، وبالله، وعلى أمر الله” المدارج 2/110 بتصرف.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “الاستقامة كناية عن التمسك بأمر الله تعالى فعلا وتركا” الفتح 13/257.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ توعدون}.
كان الحسن البصري رحمه الله إذا قرأ هذه الآية، يقول: “اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة” جامع العلوم والحكم 310- إيقاظ الهمم.
وقد أورد الماوردي رحمه الله خمسة أوجه في قوله تعالى في الآية: }ثُمَّ اسْتَقَامُوا : “أحدها: ثم استقاموا على أن الله ربهم وحده وهو قول أبي بكر رضي الله عنه ومجاهد رحمه الله.
الثاني: استقاموا على طاعته وأداء فرائضه، قاله ابن عباس رضي الله عنه والحسن وقتادة رحمهما الله.
الثالث: على إخلاص الدين والعمل إلى الموت، قاله أبو العالية والسدي رحمهما الله.
الرابع: ثم استقاموا في أفعالهم كما استقاموا في أقوالهم.
الخامس: ثم استقاموا سرا كما استقاموا جهرا”.
ثم قال رحمه الله: “ويحتمل سادسا: أن الاستقامة أن يجمع بين فعل الطاعات واجتناب المعاصي، لأن التكليف يشتمل على أمر بطاعة يبعث على الرغبة، ونهي عن معصية يدعو إلى الرهبة” النكت والعيون 5/179-180.
وليعلم أن استقامة السير إلى الله والدار الآخرة لا تتم إلا بحبسين كما كشف عن ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله حيث قال: “طالب الله والدار الآخرة لا يستقيم له سيره وطلبه إلا بحبسين: حبس قلبه في طلبه ومطلوبه، وحبسه عن الالتفات إلى غيره. وحبس لسانه عما لا يفيده1، وحبسه على ذكر الله وما يزيد في إيمانه ومعرفته. وحبس جوارحه عن المعاصي والشهوات، وحبسها على الواجبات والمندوبات، فلا يفارق الحبس حتى يلقى ربه فيخلصه من السجن إلى أوسع فضاء وأطيبه. ومتى لم يصبر على هذين الحبسين وفر منهما إلى فضاء الشهوات أعقبه ذلك الحبس الفظيع عند خروجه من الدنيا، فكل خارج من الدنيا إما متخلص من الحبس وإما ذاهب إلى الحبس. وبالله التوفيق” فوائد الفوائد 427.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقـــول في معنى الاستقامة: استقاموا على محبته وعبوديته، فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة” (المدارج 2/109)
وقد أُفردت المحبة في كلام شيخ الإسلام رحمه الله مع دخولها في عموم مفهوم العبادة. لأنها “أفرض الواجبات إذ هي قلب العبادة المأمور بها، ومخها وروحها” (المدارج 1/125). ومنها يتفرع كل خير كما قال ابن القيم رحمه الله: “إذا غرست شجرة المحبة في القلب وسقيت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب أثمرت أنواع الثمار. وآتت أكلها كل حين بإذن ربها. أصلها ثابت في قرار القلب، وفرعها متصل بسدرة المنتهى” اهـ (المدارج 3/9).
وقال كذلك: “فالمحبة شجرة القلب عروقها الذل للمحبوب وساقها معرفته، وأغصانها خشيته، وروحها الحياء منه، وثمرتها طاعته، ومادتها التي تسقيها ذكره، فمتى خلا الحب عن شيء من ذلك كان ناقصا” (روضة المحبين 325).
وعليه فحقيقة الاستقامة إذن الاستقامة على محبته جل وعلا فهي “الغاية القصوى من المقامات، فما بعد إدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها، وتابع من توابعها، كالشوق، والأنس، والرضى، ولا قبل المحبة مقام إلا وهو من مقدماتها، كالتوبة، والصبر، والزهد وغيرها” (مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة رحمه الله ص:252).
فالله الله في الاستقامة2 “ومن لم يقدر على الاستقامة، فليجتهد على القرب من الاستقامة فان النجاة بالعمل الصالح. ولا تصدر الأعمال الصالحة إلا عن الأخلاق الحسنة، فليتفقد كل عبد صفاته وأخلاقه، وليشتغل بعلاج واحد بعد واحد، وليصبر ذو العزم على مضض هذا الأمر، فإنه سيحلو كما يحلو الفطام للطفل بعد كراهته له، فلو رد إلى الثدي لكرهه، ومن عرف قصر العمر بالنسبة إلى مدة حياة الآخرة حمل مشقة سفر أيام لتنعم الأبد، فعند الصباح يحمد القوم السُّرَى” نفسه 159.
ومن المهمات في هذا المقال أن يقرر أن “من كان مستقيما في ابتدائه ثم تغير عن حاله وخرج مما كان عليه في ابتدائه يكون سببا لسوء خاتمته” يقظة أولي الاعتبار للقنوجي رحمه الله 154.
فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: “وأعظم ما يراعى استقامته بعد القلب من الجوارح اللسان، فإنه ترجمان القلب والمعبر عنه” جامع العلوم والحكم 312، إيقاظ الهمم.
2. ولعظم منزلة الاستقامة ألف فيها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتابا مفردا في بابه سماه “الاستقامة”، جادة قريحته بما ضمنه فيه وهو في السجن بمصر مع جملة من المصنفات الأخرى كما ذكره الحافظ ابن رجب رحمه الله في ذيل طبقات الحنابلة 2/403.
قال ابن عبد الهادي رحمه الله على هذا الكتاب: “وهو من أجل الكتب وأكثرها نفعا” العقود الدرية 23.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *