المغاربة يعلنون الجهاد لمواجهة الغزو الفرنسي في الجنوب والشرق والغرب الأستاذ ادريس كرم

لعل سهولة احتلال وجدة في أواخر شهر ماي 1906م قد دفع بمنظري احتلال غرب المغرب إلى الإسراع في التفكير في طريقة ما للقيام بذلك، فجاءت الاعتداءات على مقبرة سيدي بليوط بالدار البيضاء من طرف عمال شركة إنشاء الميناء لتعطي المسوغ للتدخل في المدينة بالشكل العنيف الذي تم به، وذلك -كما صرح وزير الخارجية الفرنسي- “للثأر من قتلة العمال الخمسة في الميناء وضمان أمن وسلامة الأجانب بالمدينة” ص:53 مجلة إفريقيا الفرنسية 1907.

وقد اقتضى إنزال الجنود الفرنسيين بالميناء استخدام البوارج الحربية، وقَنبلةِ المدينة بالشكل الفظيع الذي وصفه مراسلوا ذلك الزمان ومدونوا الوقائع، والهادف إلى إرهاب الساكنة والتخلص نهائيا من أي مقاومة وهذا ما لم يحدث، إذ وقع العكس تماما، حيث ارتفعت أصوات الجهاد في كل أنحاء المغرب، وتنادى الناس إلى مقاومة الغزاة وطردهم من المدينة، وبذلك شهدت الشهور الموالية لشهر الإنزال معارك طاحنة حول المدينة نجملها كالتالي (نقلا عن مظاهر يقظة المغرب، والتدخل الأجنبي والمقاومة بالمغرب لعلال الخديمي، مجلة افريقيا الفرنسية 1908-1909):
– 5 غشت 1907م: بدأ إنزال طلائع القوات البحرية للتحكم والسيطرة بقنبلة المدينة والاستيلاء عليها.
– مواجهة الإنزال أيام 6 و7 غشت 1907م، الذي اعتمد على 3000 جندي فرنسي و400 جندي اسباني حيث وقعت مذبحة السور الجديد.
– هجوم المجاهدين على المعسكر الفرنسي أيام 8 و10 و11 و13 و14 و16 و18 و21 و25 و28.
– مهاجمة القوات من جميع الجهات في معركة دار بوعزة 28 غشت 1907، و03 شتنبر 1907.
– معركة تادارت الأولى 11 غشت 1907.
– معركة تادارت الثانية 09 شتنبر 1907.
– معركة سيدي إبراهيم 21 شتنبر 1907.
ولتسليط الأضواء على الكيفية التي دارت بها تلك المعارك وما نتج عنها نتتبع التصريحات والتوصيفات لتلك الوقائع، يقول مدير المدرسة الإسرائيلية بالبيضاء في رسالة إلى رئيس الاتحاد الإسرائيلي بباريس بأن البحارة الفرنسيين “اخترقوا المدينة مغطين طريقهم بالجثث، ولما وصلوا للقنصلية رفعوا إشارة القنبلة” (ص:151 التدخل الأجنبي لعلال الخديمي).
وعن مذبحة السور الجديد يقول: “إن هؤلاء الشياطين ذبحوا كل نفس حية كانت في متناولهم مهاجمين ومندفعين إلى الداخل ومخربين كل بيت وكل حانوت وكل مخزن وجدوه، إن أعمال القتل والنهب استمرت حتى الليل” (ص:263).
يقول المراسل الصحفي “بوردون”: “إنها المجزرة الأكثر فظاعة والأكثر بشاعة التي يمكن للخيال أن يتصورها” (ص:262).
جاء في تقرير قائد البوليس بالدار البيضاء “منجان” بتاريخ 22 غشت 1907 قوله: “لقد استعملنا كل الأيدي المتوفرة من المسلمين والإسرائيليين لدفن الجثث حيث دامت العملية عدة أيام، ولقد دفنا 300 مغربي مسلم، و30 يهودي، وكل يوم نكتشف جثثا أخرى تحت أنقاض المنازل أو في الحدائق” (ص:273)، وقال “هويل”: “إن مظهر المدينة غداة الإنزال يتعدى ما يمكن للمرء أن يتخيله من فظاعة، إن الأزقة الضيقة مليئة بنتانة تؤدي إلى الاختناق” (ص:273).
وقال ملاحظ انجليزي: “من 30 ألف من السكان تبعا لشاهد عيان كان موجودا إبان المذابح لم يبق إلا حوالي 200 بالمدينة، آلاف من رجال أبرياء ونساء وأطفال صغار يهود ومغاربة سيان قد مزقوا إربا إربا بواسطة قنابل الملينيت، وبقروا بالحراب، وأُرْدُوا بالرصاص، بينما كانوا يفرون من الموت، وبعد أن استنفذت القنبلة أسوء ما عندها كانوا يُخرَجون من مخابئهم ويقتلون بكل هدوء بواسطة أعوان اللفيف الأجنبي الذين أُطلقوا على المدينة” (ص:274).
ويؤكد “فانسان” وكان شاهدا للأحداث: “وانتشرت الجثث فوق الأرض وهرب اليهود والعرب هائمين في البادية وخلت الأحياء، وفي 7 غشت صباحا كان المشهد مفزعا” (ص:274).
وألقي القبض على قائد الدار البيضاء أبو بكر بن بوزيد بتهمة التواطئ والتآمر ضد الفرنسيين وبعث للجزائر سجينا.. (ص:277).
يقول الضابط “سوكون Soconds” بأنه بالرغم من الاحتياطات والأسلحة المتفوقة فقد تعرض المعسكر لهجوم غداة الإنزال أي يوم 8 غشت من طرف المجاهدين “الذين برهنوا على تعصب وعلى احتقار للموت مثيرين”، وقد كبد هجوم المجاهدين من أولاد بوزيري على المعسكر يوم 10 غشت 3 قتلى و10 جرحى من الغزاة، ووصفهم مراسل جريدة La dépêche Marocaine بالجسارة الخارقة وأنهم كادوا يدخلون معسكرات الجيش الفرنسي، مما جعل الجنرال “درود” يبعث برقية لباريز قائلا فيها: “نظرا للمعارك المستمرة ليلا ونهارا، ابعثوا من فضلكم مقدارا ثانيا من الذخيرة للأسلحة المحمولة وللمدفعية بأهمية المقدار الأول نفسه، وبتموين 20 ألف قرطوشة للرشاشات” (ص:290).
وفي 18 غشت وقعت معركة قاسية ترك فيها العدو 3 قتلى و12 جريحا، وعجلت بالإمدادات المطلوبة من باريز لخطورة الأوضاع التي لم تكن مرتقبة، والتي جعلت “درود” يقول في برقية لباريز “فيما يخص العقوبات الجماعية، فإن الوضعية الحالية ليست هي التي كنا نعتقد إبان إرسال قوات الإنزال، إن الدار البيضاء المخربة لا توفر أي مورد للتموين أو وسائل النقل أو يدا عاملة، (وإن الهجوم على قبائل الشاوية في الداخل) سيكون عملية صعبة تتطلب عددا كبيرا من القوات”.
وكما أوضح الأستاذ علال الخديمي فقد تبين للفرنسيين في أقل من نصف شهر بعد الإنزال ومقاومتهم إياه، أن الهدف الذي جاؤوا من أجله يظهر أنه بعيد المنال، فمعاقبة الشاوية تحولت إلى عملية عسكرية تتطلب إمدادات متواصلة بعدما وجدت القواة الغازية نفسها محاصرة في معسكرات وخنادق معرضة للاستنزاف ليلا ونهارا في حالة دفاع مستمر.. (ص:292).
ومما زاد الأمر صعوبة وتعقيدا مبايعة مولاي عبد الحفيظ سلطانا للجهاد بتاريخ 16 غشت 1907م، كما أسلفنا سابقا..
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *