“السلفية والطرقية” الشيخ الرحالي الفاروقي رحمه الله

السلفية كلمة فاضلة، تعتمد حياةَ المجتمع الإسلامي الأول، والعصرَ الذهبي الذي يتكون من عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وعهد الخلفاء الراشدين، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، كما أخذ الصحابة رضوان الله عليهم عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، وشاهِد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: “خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم”1.

وبعبارة أخرى السلفية هي ملاقاة الإسلام الصحيح الذي لا تخالطه الخرافات والتُّرَّهات، والبدائع والمحدثات، وأعني بالمحدثات كل ما لا تقبله طبيعة الإسلام، ولا يدخل في أهدافه ومقاصده، ولا في عموماته وإطلاقاته، وقد تتبدل الحياة في أعرافها وأشكالها، ولكنها لا تتبدل في روحها وجوهرها، وبهذا يتضح أن السلفية عبارة عن ربط الخَلَف بالسلف في العقيدة والمذهب، وفي السبب والمسبب، فليست السلفية دعوة بعيدة عن الإسلام، ولا دعوةٌ مجردة، بل هي وسيلة إلى حياة إيجابية، أي إلى السير في درب الإسلام، والقيام على جادته وصراطه المستقيم.
فإذا ما أحس القادة المصلحون، والعلماءُ المخلصون أن المسلمين غيّروا عقائدهم، وخلَطوا عملا صالحا وآخرا سيئا، بادروهم بالدعوة إلى ما كان عليه السلف الصالح، حتى لا يَخرِقوا سياجَ الشريعة، ولا يخرُجوا عن دائرة العقيدة، وهذا ما جعل الحركة السلفية تظهر في زمن معين، ومن حين لآخر.
فالحياة الإسلامية مراقَبَة من الله ورسوله والمومنين الظاهرين على الحق، الذين اختارهم الله لهذا الغرض: “وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ”2.
وكان من سنة الله في الرسالات، أنه كلما ابتعدت قافلة الزمن، وأصاب التعاليمَ السماويةَ، ما يُغَير صفوَها، ويُعكر جريَها: “يبعث الله من يجدد أمر دينه على رأس كل مائة”، كما ورد في الحديث الذي رواه أبو داوود في سننه..
ففي كل مائة سنة يقيض الله من يجدد أمر هذه الأمة، حتى يبقى صافيا من العفونات والكدورات، ونقيا من أغراض التأويلات والتعسفات. وإذن فالسلفي هو من قام على صراط الإسلام المستقيم، ومذهبِه السليم، بحيث لا يَرُوغ عنه بحال من الأحوال، ولا يُلَفق بينه وبين غيره، ولا يُؤَوِّل النصوص حسب أهوائه ونزعاته.
وعلى هذا الأساس قامت السلفية أخيرا في المغرب، وكان أبرزُ قادتها ومؤسسيها المولى محمد بن عبد الله العلوي رحمه الله، فقد سلك هذا المسلك، وأرسى العقيدةَ السلفيةَ، وأبطل ما ألصق بالشريعة الإسلامية، كما قامت في أوائل هذا القرن على يد الشيخ أبي شعيب بن عبد الرحمن الدكالي الذي تلقى معارفه أولا بالمغرب، وثانيا بالمشرق، ولا ريب أن سلفية المغرب قد تأثرت بسلفية المشرق في نهضته الحديثة، وكان ذلك على يد جمال الدين الأفغاني وتلميذه الشيخ محمد عبده، وتلميذه الشيخ محمد رشيد رضا، وغيرهم رحمهم الله.
وبهذا تكون السلفية في المغرب مرتبطة من قريب أو بعيد بالسلفية في المشرق، وكما أن دعوة الإسلام جاءت من المشرق، ولا جرم أن تكون الدعوة السلفية كذلك، فإن المغرب مرتبط بالمشرق ارتباطا روحيا وفكريا، فالخير من الشرق والشر من الغرب.
والسلفية ما هي إلا دعوة إلى العودة إلى الأخذ بما في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست شيئا آخر غير هذا، فإذا رأى العلماء، القائمون على هُدًى من الله وتقوى، أن المسلمين زاغوا وراغوا عن طريق الإسلام، ونادوا عليهم بالرجوع إلى مكان الدعوة الإسلامية حتى لا يمزقوا إطار الشريعة، ولا يخرجوه عن دائرة الامتثال.
ومن هذا القبيل ما نادى به مؤتمر الفقه الإسلامي المنعقد بالرياض في المملكة العربية السعودية في أوائل شهر ذي القعدة عام 1396هـ، فإن العلماء الآخذين بالزمام لما شعروا بضعف العقيدة، والخروج عن الجادة وتخاذل المسلمين وتشتتهم، وتلاعب الأعداء بهم، وتدارسوا ذلك، أصدروا توصياتهم بالعودة إلى المعين الصافي، والمورد الكافي، أعني نظام الإسلام الصحيح، المأخوذ من الكتاب والسنة، وعسى أن تجد هذه الدعوة أذانا صاغية وقلوبا واعية، فتعود الأمة إلى رشادها، والحكومات إلى صوابها، ويسيرون جميعا في الطريق الأصيل، عوضا عن الطريق البديل.
ومن المعروف أن كل دعوة لا بد لها من قوة تجعلها قادرة على حل المشاكل السياسية، وعلاج المسائل الاجتماعية، إلا إذا آمن القائمون على الشعوب بأنظمتها وبرامجها، أو فرضت فرضا بالقوة، وأما إذا كانت لا تتمتع بهذا القدر فهي مجرد توجيه وتنبيه يمكن أن يقبل، ويمكن أن لا يقبل فلا تطبق تطبيقا سليما.
ويوضح هذا أن العالم الإسلامي أصبح في الميزان، لأن النظام المادي باتت له السيطرة على حياة الإنسان وسياسته العامة، وأن الشعوب الذين تأخروا عن الركب الناهض، عادوا مضطرين إلى تبعية هذا النظام وتقليده، لا في حل المشاكل، بل حتى في تشكيل المشاكل، وتأييد الأباطيل، ولو أتيح للسلفية أن تساهم في حل المشاكل لفعلت، ولكن لكل نظام طبيعةٌ، والنظام المادي المسيطر لا يسمح لنظام آخر أن يزاحمه في فلسفته المادية وفكرته الأساسية.
وموقف السلفية من وحدة العالم العربي الإسلامي هو موقف الإسلام الذي يتلخص في قوله تعالى: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا”3، وفي قوله تعالى: “وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ”4، فالجامعة الإسلامية، والخلافة العمومية في سر قيام الوحدة بين المسلمين، ولو اجتمعوا على أساس كتابهم، وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، لكان لهم شأنٌ ووزنٌ آخر في العالم، ومعلوم أن الإسلام ثورة على الأوضاع الفاسدة، ونهضة من الأرض إلى السماء.
وكان ينبغي أن يسبق اتحادَهم واجتماعَهم نهضةٌ تعليميةٌ ليَقل الجهلُ، ونهضةٌ اقتصاديةٌ ليخِفَّ الفقر، وعند تقارب المستوى الاقتصادي والثقافي، يسهل الاتحاد بحول الله تعالى، إلا أن الأوضاع القائمة لا يرضى عنها الإسلام، لأن المسلمين متخالفون ومتنازعون في حياتهم وفي سياستهم، ولأنهم أتباع الضفة الشرقية، أو الضفة الغربية، وهما كالنقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان.
و أما الطرقية التي يقوم بها بعض كبار المشايخ، فهي تتصل بفريق من المجتمع تربيه تربية خاصة، و تعتمد الاجتماع للذكر والقيام بوظائف دينية، إلا أنها لا تشمل المجتمع كله، ولا تتناول الحياة العامة تناولا مباشرا.
وأما الوطنية المتعارفة، فمفهومها مفهوم سياسي، وأصحابُها يحترفون السياسة، ويخدمونها حسب البرنامج الموضوع لها، ولا يعنيهم أن يكون البرنامج جاريا على طريقة الإسلام الصحيح.
نعم إذا كانت الوطنية تومِن بخدمة مصالح المسلمين الدينية والدنيوية، وتهتم بقضاياهم في زمان ومكان، وتبحث عما يدعم حياتهم التحررية، ويعزز قوتهم الدفاعية على أساس إسلامي فهي من لباب الإسلام وسلاف الدين، وبذلك فقط يمكن أن تكون النسبة بين السلفية والطرقية جزئية، وبينها وبين الوطنية سواسية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
مقالات ومحاضرات الشيخ الرحالي الفاروقي رحمه الله الجزء الثاني الصفحة 255.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ البخاري 2508، مسند الإمام أحمد بن حنبل 4173، السنن الصغير للبيهقي 3234، الجامع الصغير من حديث البشير النذير 4107.
2ـ التوبة:105.
3ـ آل عمران:103.
4ـ المؤمنون:52.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *