وقفات مع كتاب التعالم من ظواهر التعالم إعداد: عابد عبد المنعم

قال طرفة بن العبد:
وإن لسان المرء مالم يكن له *** حصاة(1) على عوراته لدليل
فترى الفرد من هذا الصنف المريض، يخوض في غمار العلم بواحدة يسمعها وثانية ينتحلها وأخرى يدعي قراءتها، ثم -ويا للخيبة- يضفي على نفسه من الألقاب ويجند نفسه للكف عنها والاحتفاظ بها ما هو شغله الشاغل؛ لأنها رسوله إلى العامة وأحبولته التي يصطاد بها ما يحمل همه من عرض؛ زائل وجاه موهوم؛ ولكنه عند ذوي الألباب مفتضح، إن خطب هو لحنة -والخطبة لعمري مشوار كثير العثار- تسمعه “مُخَلِّيا” يرسل الكلام مضطربا بلا قيد.
وفي القريض:
مالي أراك مخليـــا *** أين السلاسل والقيود
أغَلا الحديد بأرضكم *** أم ليس بضبطك الحديد
وإن ساق حديثا لا يعرف مرتبته، فكم جهر البليد بأثر حذيفة رضي الله عنه بأنه رأى رجلا يصلي، لا يحسن صلاته فقال: منذ كم تصلي؟ فقال: منذ ستين سنة، فقال له حذيفة رضي الله عنه منذ ستين سنة لم تصل.
وهذا الأثر مع هذه المدة الزمنية لو ورَد بإسناد على شرط الشيخين فمتنه فيه شاهد على نكارته وعدم صحته، ذلك أن حذيفة رضي الله عنه توفي في خلافة الإمام علي رضي الله عنه سنة ستة وثلاثين من الهجرة النبوية، فكيف يقول منذ ستين سنة؟ يعني أنه يصلي مسلما قبل البعثة النبوية بنحو خمسة عشر عاما؛ وهذا مستحيل فبطل التحديد بهذه المدة والله أعلم.
وحديث: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، وهذا لا أصل له مرفوعا.
وحديث: التارك للصلاة يبعث يوم القيامة مكتوب على جبينه ثلاثة أسطر.. الخ؛ ما في الكبائر للذهبي وهي لا تثبت.
إلى غير ذلك من بلاء متناسل.
وهل بلية الدين إلا من هؤلاء؟
وفيهم وفي إخوان لهم يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:
“ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم وبما كان عليه هو وأصحابه رأى أن أكثر من يشار إليهم بالدين هم أقل الناس دينا والله المستعان؛ وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك وحدوده تضاع ودينه يترك وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يُرغب عنها؛ وهو بارد القلب؛ ساكت اللسان؛ شيطان أخرس؛ كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق؛ وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم فلا مبالاة بما جرى على الدين؛ وخيارهم المتحزِّن المتلمظ(2) ولو نوزِع في بعض ما فيه غضاضة(3)عليه في جاهه أو ماله بذل وتبذل وجد واجتهد واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه؛ وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون وهو: موت القلوب؛ فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى؛ وانتصاره للدين أكمل.
وقد ذكر الإمام أحمد وغيره أثرا أن الله سبحانه أوحى إلى ملك من الملائكة أن اخسف بقرية كذا وكذا، فقال: يا رب كيف وفيهم فلان العابد: فقال: به فابدأ؛ فإنه لم يتمعَّر وجهه في يوما قط (4).
وذكر أبو عمر في كتاب التمهيد أن الله سبحانه أوحى إلى نبي من أنبيائه أن قل لفلان الزاهد أما زهدك في الدنيا فقد تعجلت به الراحة؛ وأما انقطاعك إلي فقد اكتسبت به العز؛ ولكن ماذا عملت فيما لي عليك؟ فقال: يا رب وأي شيء لك علي؟ قال: هل واليت في وليا؟ أو عاديت في عدوا؟”.اهـ (5).
هذه جملة من ظواهر التعالم في عدد من علوم الشريعة ينبه بها على غيرها مما لم يذكر.
وإلى أبحاث الأخذ بها حماية لطالب العلم من هذه الأدواء، وبقدر فوته منها يكون احتضانه لسوالبها والله المستعان .اهـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- الحصاة: العقل والرزانه.
2-المتلمظ: الذي يعيب بلسانه.
3- غضاضة: منقصة.
4- الأثر ضعيف جدا انظر السلسلة الضعيفة (1904)؛ وقال البيهقي المحفوظ من قول مالك بن دينار.
5- ضعيف فيه حميد الأعرج ضعيف؛ قال أبو زرعة: واهي الحديث وروي من قول الفضيل لكنه معضل.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *