وقفات مع كتاب التعالم العلم لا يُتْبَعُ بزلة ولا يُؤْخَذ ُ بهفوة إعداد: عابد عبد المنعم

أسند البخاري في: كتاب الشروط من صحيحه: قصة الحديبية ومسير النبي صلى الله عليه وسلم إليها وفيها:

وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل(1)، فألحت(2) فقالوا: خلأت القصواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ماخلأت(3) القصواء وماذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل) الحديث.
قال الحافظ ابن حجر في فقه هذا الحديث:
“وجواز الحكم على الشيء بما عرف من عادته وإن جاز أن يطرأ عليه غيره فإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد منه مثلها لا ينسب إليها ويرد على من نسبه إليها ومعذرة من نسبه إليها ممن لا يعرف صورة حاله لأن خلاء القصواء لولا خارق العادة لكان ما ظنه الصحابة صحيحا ولم يعاتبهم النبي صلى الله عليه و سلم على ذلك لعذرهم في ظنهم”اهـ.
فقد أعذر النبي صلى الله عليه وسلم غير المكلف من الدواب باستصحاب الأصل، ومن قياس الأولى(4) إذا رأينا عالماً عاملاً، ثم وقعت منه هنة أو هفوة، فهو أولى بالإعذار، وعدم نسبته إليها والتشنيع عليه بها؛ استصحاباً للأصل، وغمر ما بدر منه في بحر علمه وفضله، وإلا كان المعنف قاطعاً للطريق، ردءاً(5) للنفس اللوامة، وسبباً في حرمان العالم من علمه وقد نُهينا أن يكون أحدنا عوناً للشيطان على أخيه. فما ألطف هذا الاستدلال وأدق هذا المنزع، ورحم الله الحافظ الكناني ابن حجر العسقلاني، على شفوف نظره، وفقه نفسه، وتعليقه الحكم بمدركه.
قال الصنعاني رحمه الله تعالى: “وليس أحد من أفراد العلماء إلا وله نادرة ينبغي أن تغمر في جنب فضله وتجتنب” اهـ.
وقد تتابعت كلمة العلماء في الاعتذار عن الأئمة فيما بدر منهم، وأن ما يبدو من العالم من هنات لا تكون مانعة للاستفادة من علمه وفضله.
فهذا الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى يقول في ترجمة كبير المفسرين قتادة بن دعامة السدوسي المتوفى سنة 117هـ رحمه الله تعالى بعد أن اعتذر عنه:
(ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كَثُرَ صوابه، وعُلم تَحَرّّيه للحق، واتسع علمه وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له زلَـله، ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم: لا نقتدي به في بدعته وخطئه ونرجو له التوبة من ذلك) اهـ.
وقال أيضاً في دفع العتاب عن الإمام محمد بن نصر المروزي رحمه الله تعالى: “ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفوراً له، قمنا عليه وبدَّعناه وهجرناه لما سلم معنا لا ابن نصر ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة” اهـ.
وقال في ترجمة إمام الأئمة ابن خزيمة المتوفى سنة 311هـ رحمه الله تعالى: “وكتابه: في التوحيد. مجلد كبير. وقد تأول في ذلك حديث الصورة.
فليعذر من تأول بعض الصفات، وأما السلف فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكفوا، وفوضوا(6)علم ذلك إلى الله ورسوله، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده -مع صحة إيمانه وتوخيه لاتباع الحق- أهدرناه وبدعناه، لقل من يسلم من الأئمة معنا. رحم الله الجميع بمنه وكرمه) اهـ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قول الناس “حل حل”: بفتح المهملة وسكون اللام كلمة تقال للناقة إذا تركت السير.
(2) قوله فألحت: أي تمادت على عدم القيام وهو من الإلحاح.
(3) قوله خلأت القصواء: الخلاء بالمعجمة والمد للإبل كالحران للخيل (وهو وقوفه حين يطلب منه الجري ورجوعه القهقرى) والقصواء اسم ناقة رسول الله صلى الله عليه.
(4)- قياس الأولى: قياس باعتبار الشيء إذا كان في حق المفضول جائزا فهو في حق الفاضل أكثر جوازا.
(5)- ردءا: معينا وناضرا.
(6)- المقصود بتفويض العلم هو تفويض علم كيفية الأسماء والصفات لأنه لا يعلم كيف هو إلا هو سبحانه وتعالى، أما تفويض علم المعنى فلا يعرف عن السلف، وقد قال الإمام مالك رحمه الله تعالى ” الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة” اهـ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *