تفكيك “السياج المغلق” أم هدم الإسلام من الداخل؟ -على هامش أربعينية محمد أركون-

عرف العالم الإسلامي خلال الأشهر الأخيرة موت ثلاثة من أساطين الفكر العلماني المعادي لتاريخ الإسلام وعلومه وشريعته، والذي يعمل أصحابه بكل قوتهم وقوة من يسخرونهم على الحيلولة دون رجوع الناس إلى الإسلام المصفى، المنضبط في تطبيقاته بفهم السلف الصالح، حيث هلك المغربي محمد عابد الجابري في 18 جمادى الأولى 1431هـ/03 ماي 2010 ثم تبعه المصري نصر حامد أبو زيد في 22 رجب 1431هـ/05 يوليوز 2010، ثم تبعهما الجزائري محمد أركون في 05 ذي االقعدة 1431هـ/14 شتنبر 2010.
ونظرا للهيمنة العلمانية على الإعلام والتعليم لم يسمع الناس إلا المديح الخالص المبالغ فيه، رغم أن كل نتاجات هؤلاء الثلاثة قد لاقت انتقادات كثيرة كانت موضوع دراسات وأطروحات تعرضت لتفنيد النتائج والخلاصات التي وصلوا إليها، وبينت بالحجج والأدلة أن الأبحاث التي قدمها هؤلاء مجرد تكرار لكلام أساتذتهم من المستشرقين أمثال المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون الذي تدخل لصالح تلميذه أركون ليلتحق بجامعة السوربون في باريس حيث قام بإعداد التبريز في اللغة والآداب العربية.
فخلال مراسيم أربعينية أركون التي أقامتها شعبة الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية-بنمسيك بالدار البيضاء يوم الخميس 28 أكتوبر المنصرم قُدِّم هذا الرجل من طرف كل المتدخلين على أنه المفكر الفذ الذي كان -حسب كلمة شعبة الفلسفة-: “حفارا بالمفهوم الأركيولوجي للكلمة، فقد كان يضرب بمعوله عميقا في الماضي العربي الإسلامي، بحثا عن بقايا مطمورة في الأخاديد التي بقيت نسيا منسيا، ويزيح عنها أكوام التراب، فيمسحها برفق مخافة أن يكسرها أو يخدشها. ثم بعد ذلك يقوم ببراعة المحترف بصقلها”.
فما هي يا ترى نتائج هذا الحفر والضرب بالمعول في الماضي العربي الإسلامي؟
يبدو من خلال تصريحات أركون أن النتائج محسومة سلفا، فهو يرى أن: “..الإسلام كظاهرة دينية لا يختلف عن بقية الأديان وهو ما يتعارض مع الموقف الإيماني العقائدي الموروث(1)، -ويعني أركون بأن- الإسلام كبقية الأديان في الخضوع للتاريخية بعكس ما يُنظِّر الفكر الدوغمائي الإيماني(2)، وهو سيخضع لمناهج التحليل التاريخي التي خضعت لها المسيحية، إذ أن الإسلام لا يختلف عن المسيحية في كونه يقع ضمن الإطار المعرفي للقرون الوسطى(3)، وسيصبح الإسلام بفعل تيار العولمة الذي لا يقاوم وبفعل الحداثة المكتسحة: “شيئاً بالياً لا معنى له”، وسوف يتبخر ويذهب مع الريح(4)، وسينهار الإسلام المثالي، ويبقى الإسلام التاريخي للذكرى والدراسة فقط كما حصل للمسيحية(5)، ولكن يبقى منه أنه تجربة تاريخية علينا الاستفادة منها. لأنه ظاهرة تاريخية طرأت على المجتمعات البشرية، وهو مثل الظاهرة الاقتصادية، أو الظاهرة السياسية، أو كغيره من الظواهر الاجتماعية لا يجب أن ننظر إليه على أنه ظاهرة فريدة من الأديان(6). كما ينبغي أن نعلم -حسب أركون دائما- أن الإسلام كأي عقيدة دينية أو غير دينية ما هو إلا نتاج القوى المحسوسة التي تشكله عقائدياً وأيديولوجياً(7).
إذًا فالإسلام عند أركون مجرد منتج تاريخي لابد أن يكون مصيره كمصير النصرانية في أوربا، لذا فهو وأمثاله من العلمانيين يقومون بوظيفة تفكيك ما يسميه أركون بـ “السياج المغلق” حتى تعاد قراءة الإسلام على ضوء متطلبات الحداثة والعقلانية العلمانيتين، هذه الوظيفة التي يفسرها صديق محمد أركون ومترجم كتبه هاشم صالح أثناء تعليقه على مصطلح “السياج المغلق”: “يمكن اعتبار فكر محمد أركون كله بمثابة تفكيك لهذا السياج المغلق والراسخ منذ العصور الوسطى. وهذا هو معنى نقد العقل الإسلامي. إنها محاولة لتبيان كيفية تشكُّل هذا العقل في العصور الأولى وكيفية ترسُّخه فيما بعد بصفته عقلا مثاليا مطلقا لا يناقَش ولا يُمَسّ. ومن الواضح أنه لا يمكن أن يحصل أي تحرير في الأرض العربية أو الإسلامية إن لم نبتدئ بتفكيك هذا الانغلاق التاريخي المزمن. في الواقع إن العقل الإسلامي هو عقل تاريخي، أي أن له لحظة انبثاق تاريخية محددة تماما ويمكن الكشف عنها. وما إن تنكشف تاريخية العقل الإسلامي حتى تحصل زلزلة أرضية تشبه الزلزلة الفكرية التي حصلت في أوربا بعد الكشف عن تاريخية العقل اللاهوتي المسيحي”.
فأركون حين يحاول تفكيك هذا السياج يحاول أن يحدث الزلزلة الفكرية في البلدان الإسلامية، من خلال الدعوة إلى وضع إستراتيجية تربوية لأكبر عدد من البشر تكون مهمتها -حسب رأيه-: “تغيير عقول الناس وتفكيك الآراء اللاهوتية القديمة والراسخة في الذهن أبًا عن جَدّ منذ مئات السنين”، “أي استبدال التفسير الأنثروبولوجي بالنظرة القديمة التي تقوم على الإيمان بالوحي الإلهي”.
باختصار يدعونا أركون إلى أن نتعامل مع الإسلام وتعاليمه ومصادر شريعته بحياد معرفي نفرق فيه بين النص والمعنى تفريقا يمكننا من إعمال المناهج النقدية الغربية، وإهمال كل العلوم الشرعية ليصير الإسلام في البلاد الإسلامية على نحو ما أصبحت عليه النصرانية في البلدان الغربية؛ مجرد سلوك فردي بعيد عن شؤون تنظيم الدولة والمجتمع حتى يفسح المجال للعلمانية أن تحكمهما بشريعتها الإلحادية وقوانينها المادية.
إن على العلماء والمثقفين والأساتذة والطلبة، وكل من يملك نصيبا من العلم الشرعي ودراية بمخططات أمثال أركون، أن يبينوا حقيقتهم وحقيقة مشاريعهم التي تظهر أحيانا بجلاء في تصريحاتهم.
فهذا هاشم صالح، المتخصص في ترجمة وتسويق المشروع الحداثي لمحمد أركون.. كتب عقب أحداث 11 شتنبر داعياً إلى انتهاز فرصة الهجمة الغربية على الإسلام، لتبني الحداثة الغربية قائلا: “إننا يجب أن نلتحق بفولتير وتصوره الطبيعي عن الدين والأخلاق، فالدين الحقيقي هو الدين الطبيعي.. وإن العبرة هي بأعمال الإنسان وليست بمعتقداته، أو حتى صلواته وعباداته.. ولابد من تأويل جديد لتراثنا يختلف عن تأويل الأصولية، بل وينقضه.. تأويل يكشف عن تاريخية النصوص التأسيسية، ويحل القراءة التاريخية محل القراءة التبجيلية لهذا التراث”!(8).
إن مشروع أركون يتأسس على حرب الشريعة الإسلامية وتتبع بقايا تطبيقاتها في المجتمعات الإسلامية للإجهاز عليها وإحلال العلمانية مكانها، للحيلولة دون رجوع الناس إليها أو كما قال الدكتور علي حرب واصفا حداثة مشروع أركون: “إنها القول بمرجعية العقل وحاكميته.. وإحلال سيادة الإنسان وسيطرته على الطبيعة مكان إمبريالية الذات الإلهية وهيمنتها على الكون…”(9).
فكيف مع هذا كله وغيره كثير نحتفي بأمثال محمد أركون؟ وهو الخديم الأرضى للدول الغربية، ويكفيه عداء للإسلام أنه كان أحد أعضاء اللجنة الفرنسية التي أفتت جاك شيراك بمنع الحجاب الشرعي في فرنسا والذي مهد لمنع النقاب فيما بعد.
{وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}يونس
وخير الهدي هدي محمد صلى الله عيه وسلم
إبراهيم الطالب/السبيل
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: أركون “قضايا في نقد العقل الديني” ص 326.
(2) انظر: أركون “أين هو الفكر الإسلامي المعاصر” ص 169
(3) انظر: أركون “قضايا في نقد العقل الديني” ص 194.
(4) انظر: السابق ص 60.
(5) انظر: أركون “قضايا في نقد العقل الديني” ص 60 و ص 328، 318 .
(6) انظر: أركون “مجلة رسالة الجهاد”.
(7) من كتاب مآل الإسلام في القراءات العلمانية، بقلم : د. أحمد إدريس الطعان.
(8) صحيفة “الشرق الأوسط” في 26-12-2001م. نقلا عن صورة الإسلام في الخطاب الغربي، د.محمد عمارة

(9) صحيفة “الحياة” في 18-11-1996م. نقلا عن صورة الإسلام في الخطاب الغربي، د.محمد عمارة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *