إنهم يقيدون حرية الفقهاء

إن المتأمل لأحداث التاريخ، ووقائعه المؤثرة يلاحظ المكانة التي كان يمثلها الفقهاء على اختلاف الجغرافيا والعصور، فعلماء الشريعة كانوا يمثلون الركيزة الأساسية للفكر الإسلامي، يقدمون الفتاوى والاجتهادات والإرشادات الدينية، والإشراف على بيعة السلاطين والملوك، كيف لا وهم أبرز مكون لما كان يعرف آنذاك بـ”أهل الحل والعقد”.

فالفقهاء انعكاس للتنوع، والاختلاف المذهبي، والاجتهاد المنضبط بنصوص الشرع، والثراء الثقافي والمعرفي، وحرية الفكر الحقة في المجتمعات الإسلامية.

لكن ما نلاحظه في العصر الحديث، وأقصد به عصر ما بعد الاحتلال الامبريالي الغربي، انحسار حرية الفقهاء بشكل ملحوظ بلغت في بعض الأحيان حد فقدان التأثير، حيث فرضت على آرائهم وخطبهم ودروسهم واجتهاداتهم وأعمالهم قيود كثيرة، ما أثر سلبا على دورهم في المجتمعات، فمن يا ترى يتحمل مسؤولية هذا الانحسار والتراجع إلى الوراء؟

إن العوامل المؤثرة على حرية الفقهاء متعددة وكثيرة منها ما هو سياسي، ومنها ما هو أيديولوجي، ومنها ما هو إعلامي وذاتي أيضا، فنجد أن أبرز العوامل التي أدت إلى تقييد حرية الفقهاء هو التدخل السياسي، فقد سعت العديد من الجهات في الدول الإسلامية وغير الإسلامية إلى السيطرة على المؤسسات الدينية والفقهاء، لمعرفتهم بقوة تأثيرهم في الجمهور، الأمر الذي أدى إلى قمع الأصوات المستقلة وتقييد الفتاوى والاجتهاد الفقهي، هذا من جهة..

ومن جهة أخرى لا يمكن إغفال الدور المشبوه الذي تلعبه وسائل الإعلام في تشكيل الرأي العام، ووضع صورة نمطية للعلماء والفقهاء، وتشويه سمعة كل من يتبنى آراء مستقلة، ويخالف النهج العلماني والأبجديات التي يصدعون بها رؤوسنا من حرية تعبير وحق الاختلاف وهلم جرّا.

فالمفروض في الإعلام في ظل الدولة الحديثة أن يكون منصة لدعم الحوار والنقاش المفتوح على قدم المساواة بين الجميع، بما فيهم الفقهاء والعلماء، لكن الأمر الواقع هو ما نشاهده من تحول هذه الوسائل الإعلامية إلى أداة ضغط واستهداف وتشويه ضد الفقهاء والعلماء والرموز الدينية بصفة عامة، ومنبر مفتوح لكل العلمانيين لطرح آرائهم التخريبية المتطرفة.

لقد بات دور كثير من المنابر الإعلامية محصورا في القيام بحملات إعلامية مغرضة وموجهة ضد المتدينين، بدعوى محاربة “الإسلام السياسي” تارة، والفكر المتطرف تارات أخرى، ما أدخل السادة الفقهاء في دائرة ضغط كبير، ودفع بعضهم إلى التراجع عن الدور المنوط بهم.

هذا وقد ساهمت بعض الجماعات المتطرفة التي تتبنى العنف في تقييد حرية الفقهاء وتراجع تأثيرهم في الواقع، لكون هذه الجماعات لا تتردد في تبني الوسائل العنيفة للنيل ممن خالفها، وما مقتل الشيخ الدكتور “نادر العمراني” الليبي عنا ببعيد، فهذه الجماعات لا تتردد في استخدام العنف والترهيب لإسكات الأصوات الفقهية التي تعتبرها مبتدعة وضالة ومنحرفة عن الصراط المستقيم.

إن حرية الفقهاء في العصر الحديث تواجهها تحديات كبيرة، ما يتطلب تضافر الجهود لتعزيز استقلالية الفقهاء وتقديم اجتهاداتهم بحرية، لتحقيق توازن بين الأحكام الشرعية الإسلامية ومتطلبات العصر الحديث بنوازله ومستجداته.

فبدعم حرية الفقهاء والعلماء يمكن للأمة تحقيق تقدم حقيقي في الفكر الإسلامي وتعزيز دوره في معالجة قضايا العصر الحديث.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *