رابطة علماء المغرب.. نموذج للفقه العملي المواكب (م.ز)

تأسست رابطة علماء المغرب عام 1960، عقب مؤتمر استدعِي له عدد من الفقهاء المغاربة الذين قرروا تأسيس رابطة تجمعهم للقيام بمهامهم الدعوية والتثقيفية، صادرين في ذلك عن نظرهم في الشريعة، لا عن حزب أو نقابة أو أي منظمة سياسية. ورغم ما يمكن قوله عن سياق تأسيس هذه المنظمة، حيث صعود اليسار وحاجة المجتمع إلى قوة مكافئة تحفظ التوازن، إلا أنها عبرت بوضوح عن استمرار صوت العلماء وفقهاء الشريعة في مجتمع مسلم.

وقد ترأس هذه الهيئة العلمائية فقهاء مغاربة كبار، أمثال عبد الله كنون، ومحمد المكي الناصري، ومحمد بن شقرون، وأحمد الحبابي… استطاعوا بمكانتهم في المجتمع، وبعلاقاتهم الوازنة، منح “الرابطة” سمعة كبيرة وموقفا مسموعا وقولا مؤثرا. ومما ساعد هؤلاء الفقهاء على ذلك أنهم كانوا شديدي التعلق والارتباط بمجتمعاتهم وأوساطهم الاجتماعية العائلية والمهنية. وقد كانت لهم في الحياة فتوى وموعظة مستمرة، كما كان لهم قول في مختلف القضايا الخاصة والعامة. فكان لهم حضور وكانت لهم هيبة.

وقد كان مؤسسوها حريصين على استقلاليتها عن كافة التدخلات والهيئات، بما فيها الرسمية. ورغم ما تتخذه العلاقة بالدولة من حساسية، فإن فقيها كعبد الله كنون اهتدى إلى رسم حدود حكيمة مع السلطة أسماها “المنزلة بين المنزلتين”. وقد ذكر محمد الطوزي في كتابه “الملكية والإسلام السياسي في المغرب” (حسب ما نقله د. عبد الرحمان شحشي في مقال له بعنوان “علماء المغرب.. من رابطة العلماء إلى الرابطة المحمدية”) أن عبد الله كنون استطاع “رعاية نوع من التوتر اللطيف في علاقته مع السلطة عبر طرق مختلفة، غيابات طويلة من دون مبررات، وخلوات تعبدية اختيارية، وللتعبير عن نوع العلاقة التي تربطه بالنظام، يستعمل كنون عبارة “المنزلة بين المنزلتين” وهي عبارة تدل في نظره على الوضع الصعب للعالم الذي يختار التذبذب بين الخضوع والتمرد”.

وعرفت رابطة علماء المغرب عددا من التحولات، ومرت منذ تأسيسها بعدة محطات كانت فيها في قلب الحدث السياسي والثقافي المغربي، كما استطاعت في خضمها أن تحافظ على قدر من استقلالية “حكماء الشريعة” بتعبير الشيخ محمد المكي الناصري. إنها استقلالية مؤصلة شرعا بقول الله تعالى: “أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”؛ وهؤلاء فيهم الحكام والحكماء، الرؤساء والعلماء، و”كل ميسر لما خلق له”. وإذا كان دور الحاكم المسلم هو إنفاذ شرع الله في شروطه وواقعه، فإن دور الفقيه هو إثبات أحكام الشرع ونفي الانتحال والتحريف عنها. من هنا يستمد عالِم الشريعة دوره واستقلاليته.

ولعل العودة إلى التوصيات الصادرة عن مؤتمرات الرابطة منذ تأسيسها كافية لإثبات انخراط فقهاء الرابطة في الشؤون العامة واهتمامهم به. وكنموذج لهذا الإثبات نعود إلى توصيات مؤتمر 1960، فنجد أن الموقف الفقهية شمل عددا من القضايا لعل أبرزها: تعريب لغة التدريس، الحفاظ على الجامعات الإسلامية، المطالب بعدم ممارسة التمييز في التوظيف ضد حاملي الشهادات باللغة العربية، المطالبة بتحويل الثكنات العسكرية الفارغة إلى مدارس لتعليم التعليم، حماية التعليم الإسلامي وإبقاء بابه مفتوحا أمام طلابه ومريديه، تشجيع التعليم الحر، تقرير مادة التربية الإسلامية في المدارس غير الإسلامية، إلى غير ذلك من القضايا التي شملتها التوصيات والتي تدل على انخراط العلماء في الشأن العام.

وقد عرفت الرابطة تحولا عن خطها الأول بمجرد رحيل رعيلها المؤسس، فأصبحت أكثر انفتاحا في الفقه والسياسة، واتخذت لها طريقا جديدا غير الذي كان لها، خاصة بعد تحويلها إلى مؤسسة ذات نفع عام وتسميته تسمية جديدة هي “الرابطة المحمدية للعلماء” عام 2006. فقد جاء في الظهير الصادر بتاريخ 14 فبراير 2006 أن “الرابطة المحمدية للعلماء تحل محل رابطة علماء المغرب في حقوقها والتزاماتها الناتجة عن أنشطتها”.

وهكذا أصبحت المؤسسة من مشمولات إمارة المؤمنين واختصاصاتها بنص ظهير، لا انطلاقا من قناعة الفقهاء المكونين لها فحسب. فهي “تخضع من حيث مهامها وتكوينها وكيفيات تسييرها، لأحكام الظهير الشريف” (نفس الظهير). وبغض النظر عمّا يمكن قوله عن هذا التحول فقد كان يعكس مرحلة جديدة من علاقة الديني بالسياسي، وربما أفرزت هذه العلاقة الجديدة نموذجين فقهيين في المجتمع، نموذج رسمي يخدم الدين وفق تصور الدولة ووجهة نظر فقهائها، ونموذج آخر عبرت عنه مرجعيات حركية أو سلفية يخدم الدين انطلاقا من المدارس والجامعات وباقي بنيات المجتمع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *