حرب الغرب وسيطرته على شبكات التواصل الاجتماعي عبد الصمد ايشن

يملك الغرب أكبر شركات تطبيقات التواصل الاجتماعي، فهو يبسط سيطرته على أصولها وفروعها وأموالها وإعلاناتها كلّها في الغرب وفي الدول المحايدة. بل في بعض الحالات تختلف تسميات التطبيقات مثل فيسبوك وواتساب وإنستغرام وتويتر (منصة إكس) ومالكها واحد، نقصد في هذه الحالة شركة ميتا.

لكن الغريب في ملكية الغرب لأصول مثل هذه الشركات هو احتكارها لرأي واحد ووجهة نظر واحدة إزاء الأحداث الجارية على المسرح الدولي، مثلا في الحرب على غزة بدت حقيقة الديمقراطية المزعومة التي يعطي الغرب فيها الدروس كل مرة. لأن كل هذه التطبيقات التي ذكرناها سرعان ما أطلقت حملات تقييد ومحو كلّ ما يدعم القضية الفلسطينية. وكل من يخالف قواعد هذه التطبيقات يواجه بعقوبات جديّة. في اعتداء موصوف على حرّية التعبير التي يتغنّى بها الغرب ومؤسّساته، وفي تقديس جديد للتضليل الإعلامي.

وكشفت الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر الماضي أن منصة إكس (تويتر سابقا) تعد مساحة لنشر رسائل الكراهية والمعلومات المضللة والتشكيك. إذ يرى العديد من الخبراء أن أسوأ المخاوف بشأن “إكس” تحققت، مشيرين إلى التعديلات التي أُدخلت مؤخرا على المنصة نتيجة قرارات إيلون ماسك، والتي جعلت من الصعب للغاية التمييز بين ما هو حقيقي وما هو خاطئ.

كما تتيح المنصة حاليا لمشتركيها إمكانية الاطلاع على المنشورات التي تحقّق انتشارا واسعا حتى لو لم تكن صحيحة، لذلك لم تعد أداة رئيسية لجمع المعلومات الموثوقة أو حتى تنسيق عمليات الإغاثة في ظل الأزمات.

وانتشرت حسابات تحمل الشارة الذهبية لكنها تنتحل صفة مصادر موثوقة، إذ حذر خبراء في التضليل من أن العديد من المستخدمين يثقون في الحسابات التي تحمل علامة الموثوقية، رغم أنها حسابات كاذبة.

وفي الواقع تدور الحرب الكبرى على مواقع التواصل الاجتماعي. هناك لا قدرة للدول العربية والإسلامية على مواجهة حجم التضليل الإعلامي الواسع الموجه لها. لأنها منصات مملوكة للغرب ويتحكم في سياستها واستراتيجية عملها.

ففي أعقاب الهجوم الذي شنّته المقاومة الفلسطينية على مستوطنات الصهاينة ازدادت المعلومات المتداولة على شبكات التواصل، ومنها ما هو صحيح ومنها ما هو مُفبرك بالأخصّ من الجيوش الإلكترونية التي يجنّدها الجيش الإسرائيلي.

مثلا جاء التّضليل الأكثر تعمدا من رئيس حكومة العدوّ بنيامين نتانياهو عندما عرَض على حسابه صورا ادّعى فيها أنّها لطفل مُتفحّم.

لم يحذف نتانياهو ما كتبه حتى الآن وجرى على أساسه بناء وتبني السردية الغربية. ويقول فيه إنّ المقاومين “أحرقوا عشرات الأطفال وأعدموهم وقطعوا رؤوسهم. لم نشهد مثل هذه الوحشية في تاريخ دولة إسرائيل. إنهم أسوأ من داعش، وهكذا يجب أن نتعامل معهم”.

كان الإعلامي الأميركي، جاكسون هنكل قد كشف، أن صور الأطفال المحترقة التي عرضها نتانياهو على حسابه على X والتي عرضها على وزير خارجيّة أميركا، كانت مُصَنّعة بالذكاء الصناعي. وبَين الإعلامي أن الصورة التي عرضت لطفل محترق ما هي إلا صورة لكلب كان يتلقى العلاج، وقد تم استبدالها بصورة متفحّمة.

تستخدم في هذا المنشور كلمات مفتاحية من المفترض أن تُحذف إذا أردنا أن نتمتع بالمصداقية لأنها غير محايدة، لكن ذلك لم يحدث. والمطلوب من الاتحاد الأوروبي إبراز كل ما يتعلق بالمنشورات الداعمة لإسرائيل لا تلك التي تُبين الجرائم التي يرتكبها الصهاينة.

هذا ووقع الإعلام الكلاسيكي في فخ المعلومات الكاذبة. فقد اعتذرت مذيعة “السي إن إن” سارة سيندر عبر تغريدة لها عن قولها إنّ حماس تقطع رؤوس الأطفال. وهذا الخبر تبنّاه الرئيس الأميركي، ولكن البيت الأبيض عاد ونفى التصريحات وأعلن أنّه لم يتأكد من الخبر كما فعلت المذيعة. تبين لاحقاً أن هذه الصور كانت مُفبركة ومُصممة لاستخدام تطبيقات الذكاء الصناعي.

ليست الخوارزميات محايدة، فقد تتخذ خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي قرارات غير حيادية تتبع توجهات المبرمجين، وهو ما يضع المستخدم في دائرة تقييد حرية التعبير من خلال فرض ما يمكن نشره أو ما لا يمكن نشره.

هذه واحدة من سلوكيات القوى الإعلامية نفسها لإخفاء جرائم لا تناسب سياساتها بحقّ بعض الشعوب، وخاصة الشعب الفلسطيني، وتحاول تشويه الرواية وقلب المعادلات لمصلحتها، من خلال تقديم صورة مزيّفة للوقائع، تهدف إلى توريط الضحية بعمل المجرم كما يفعل نتانياهو على حسابه على إكس X.

وفي الشهر الماضي اعتقلت السلطات الفرنسية مؤسس Telegram بافل دوروف في فرنسا. وبحسب بعض التقارير، فهو متهم بعدة مواد جنائية، تصل عقوبتها إلى 20 عامًا في السجن. ومع ذلك، فإن مجتمع الخبراء يشكك في صحة الاتهامات ويميل الخبراء إلى الاعتقاد بأن الغرب يحاول بهذه الطريقة حل العديد من المشاكل السياسية والعسكرية في وقت واحد.

وهؤلاء الخبراء يؤكدون أن هناك محاولة للسيطرة على منصة Telegram. وهذه عملية غير مسبوقة، فلم نشهد شيئًا كهذا من قبل؛ كما ترغب الدول الغربية في الوصول إلى البيانات الشخصية والقنوات الخاصة بالروس؛ ويجري استخدام تيليغرام من قبل مختلف الأشخاص، بما في ذلك أولئك الذين يشاركون بشكل مباشر في اتخاذ القرارات الحاسمة في مختلف المجالات.

هذه الرغبة في السيطرة على وسائل الإعلام العالمية واحتكار الحقائق، ومحاولة الهيمنة على إدارات المنصّات الأساسية وتشويه الرواية، أدت إلى انحياز وسائل الإعلام، وإفقادها توازنها ومصداقيتها، وبالتالي تشوهت صورة التغطية الإعلامية في ذهن المتلقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *