الغزو الثقافي وتجنيد بني علمان ذ.الحسن العسال

الغزو الثقافي هو استهداف الأسس والمقومات الثقافية لأمة من الأمم؛ وهو بالنسبة لنا -نحن المسلمين- الهجمات الثقافية التي يشنها أعداء الأمة الإسلامية لفرض ثقافتهم عن طريق التنصير والاستشراق والتغريب.
وهناك آليات يستعملها الغربيون لتحقيق هذا الغزو؛ من بينها اعتناؤهم واحتضانهم المفرط لبني علمان من بني جلدتنا فكريا أو اجتماعيا، ممن يتوسمون فيهم قابلية الانسلاخ الكلي عن هويتنا، وقابلية الهجان الثقافي باسم الانفتاح والتحرر والحداثة… هذا الاعتناء الذي لم يكن لسواد عيونهم، أو من أجل الإنسانية المجردة أو الخير المحض، وإنما لتجنيدهم وجعلهم طابورا خامسا ينخرون به تماسك الأمة، وينتجون من خلاله قنابل فكرية موقوتة، يفجرونها في كل لحظة وحين، بعد أن عبؤوها لعشرات السنين في جامعاتهم ومعاهدهم في بلداننا وفي مجتمعاتهم كي تصيب ثوابت الأمة في مقتل، أو على الأقل تنال منها جروحا غائرة.
ومن آليات الغزو الثقافي أيضا التركيز على الجانب الدنيوي المفرط في المعاش، وجرّ المجتمع للروح الاستهلاكية، وتحريك الشهوات وإثارتها على صعيد الأخلاق الفردية.
أما في الجانب الفكري والسياسي فيتم غسل الدماغ الجمعي للمجتمعات الإسلامية بنشر وترسيخ فكرة عدم كفاية الأحكام والقيم الإسلامية في إدارة المجتمع.
وثمة آلية أخرى تتمثل في الهجوم بمصطلحات دخيلة تحمل مفاهيم خاصة لا تنفك عنها ولا عن البيئة التي نشأت فيها على الرغم من أن بعض المنهزمين روحيا وفكريا يحاولون جهد الإمكان إيجاد مرادفات لها في الثقافة الإسلامية لإضفاء صبغة الشرعية عليها من مثل الديمقراطية والشورى، والزكاة والضرائب، وتحرير المرأة وتكريم المرأة، والاشتراكية والتكافل الاجتماعي، والعلمانية ولا “إكراه في الدين”.
أما بنو علمان فيعملون على استبدال مصطلحات بأخرى من مثل العازبة بالزانية، والمشروبات الروحية بالمسكرات، والفوضى الأخلاقية بحقوق الإنسان، وهتك المقدسات بالحقوق الكونية؟ لأن وقع المفاهيم الشرعية تجد صداها في قلب المسلم بخلاف ما عداها، لذلك يراهن عليها الغزاة ومن والاهم.
إن الغزو الثقافي أشد نكاية في الأمة، وأكثر نيلا من مقوماتها مقارنة بالغزو العسكري؛ بل إن الغزو العسكري يصبح في بعض الأحيان باعثا على إحياء الهوية، ومستنهضا للهمم.
وكما يقول هنري غوبار مؤلف كتاب “الحرب الثقافية” فإن هذه الحرب هي أخطر من الحرب الساخنة، لأن الأخيرة تعبئ الجماهير، بينما الأولى تتسلل بمكر وتدريجياً، وتدق بمطرقتها بإلحاح واستمرار على الأذهان والعقول والأذواق، فتعمل على تسميمه.
إن الذين انسلخوا عن هويتهم يتهمون الإسلاميين والقوميين بافتعال قضية الغزو الثقافي لخدمة مشروعهم الفكراني، زعموا! ونسي هؤلاء أو تناسوا أننا لسنا وحدنا الذين نعاني من الغزو الثقافي(1)، بل إن فرنسا المشهورة أكثر بثقافتها أصبحت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تئن تحت وطأة الغزو الثقافي الأمريكي، والدليل هو كتاب هنري غوبار السالف الذكر.
وإنه بالرغم من أن الغزو الثقافي الفرنسي المتمثل في الفرانكوفونية كان ولا يزال من أعتى أنواع الغزو؛ فإن أمريكا مافتئت تعمل على ترسيخ قدميها في هذا المجال من خلال “مبادرة الشراكة الأمريكية-الشرق الأوسطية” في 12/12/2003م على يد كولن باول وزير الخارجية الأمريكية آنذاك، ومن خلال “مشروع الشرق الأوسط الكبير”(2) الذي طرحه بوش الصغير، وتمت مناقشته والموافقة على تبنّيه الدول الصناعية الكبرى الثماني في يونيو من عام 2004م، وقد تضمّن المشروعان السابقان الصادران عن مؤسّسات أمريكية ودولية توجّهات نحو إحداث تغيير في كل تفريعات المسألة الثقافية في منطقتنا من مناهج وإعلام ولغات وطرق تربية ومدارس وخطاب ديني الخ…
ولنأخذ نموذجين متباينين -لتجنيد بني علمان- الأول المفكر والفيلسوف الهالك محمد أركون، والثاني عائشة الوافي(3) التي بإيعاز من آلة الغزو الثقافي الغربي تمت كتابة سيرتها الذاتية باسم “ابني الضائع”.
فمحمد أركون تمت تنشئته الثقافية على يد الفرنسين في الجزائر، كما يعترف هو نفسه أنه درس في أول مدرسة أقيمت في الجبل بالجزائر، وكانت تحترم الدعائم الثلاث للجمهورية، والمتمثلة في الإلزامية والمجانية واللائكية، ليتبين لك أيها القارئ الكريم أن الإلزامية والمجانية في خدمة العلمانية، لأنه لابد من بعض التوابل حتى يستساغ الغزو ولا يمج.
ثم انتقل إلى مدرسة كاثوليكية في وهران ليتعلم العربية على أيدي قساوسة بيض، يقول عنهم، لشدة قابليته وانسلاخه وهجانه أنهم كانوا يحدثونهم عن الكاثوليكية دون أن يحاولوا إقناعهم باعتناق المسيحية! فلا أدري أيها القارئ اللبيب أهذا منه غباء أو استغباء.. وحادثة تنصير أطفال عين اللوح ليست منا ببعيد.
وحتى يكتمل غزوه ويتعمق في وجدانه وعقله، قبل أن يُتَّخَذَ معولا لغزونا -نحن بني جلدته- رحل إلى فرنسا التي بدأ يشن منها غاراته على هويته التي انسلخ منها.
أما عائشة الوافي فهي امرأة بسيطة، مادامت لم تنل من التعليم إلا النزر اليسير. تحكي في “كتابها” أنها عانت من زوجها الأمرين في المغرب، حسب روايتها، قبل أن تذهب إلى فرنسا بصحبته، حيث التقطتها يد الغزو الثقافي لتحضنها اجتماعيا، حتى يتسنى لها تجنيدها هي الأخرى للدعوة إلى التغريب، بعدما تم إعادة تشكيلها وصياغتها من جديد كتبت سيرتها التي تقول فيها(4): “في المغرب كان ينقصني كل شيء”، وهي “المغربية” كابرا عن كابر”. وفي المقابل تقول عن فرنسا: “يا للسعادة في أن أنشئ أولادي هنا -تعني فرنسا- وأن أمنحهم فرصة العيش في بلد حر، حيث يسود الاحترام والأخوة”. نعم إن الغرب يحترم أمثالها ممن انسلخ عن هويته وثقافته، وأصبح يتبرأ منها، ويصبح أخا لهم. أما من كان مختلفا فهو منبوذ، تُغَيّرُ بسببه القوانين في أفق إقصائه.
وتتهم العرب في فرنسا دون استثناء بأنهم ينظرون إلى المرأة على أنها مجرد فريسة ليس إلا. أما الفرنسيون -حسب زعمها- فقد مدوا لها يد العون دون النظر إلى “دينها أو لون بشرتها”؛ ولا أدري عن أي دين تتحدث وهي التي قالت مرة لابنها زكريا: “لماذا تزعج نفسك وتذهب إلى المسجد.. اصعد وصل في الأعلى سيكون أريح لك”، وكأني بها حسبته يمارس اليوغا.
إن آلة الغزو الثقافي لا تحاربنا في عقر دورنا فحسب، بل إنها تفعل ذلك حتى مع المهاجرين، المقيمين في المهجر، بفرض سياسة الاندماج عليهم، وحق لها أن تسمى سياسة المسخ الحضاري والانسلاخ من الهوية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ولو أن البون شاسع بيننا وبين الآخرين لعوامل عدة أولها ديننا الحضاري.
(2) الشرق الأوسط مصطلح استعماري ورد في يوميات الإرهابي تيودور هرتزل، وتم التأكيد عليه في المراسلات الإنجليزية الرسمية في بدايات القرن العشرين، وتلقفه الأمريكيون بعدهم، ليعبروا به عن المنطقة العربية وإيران وتركيا، إضافة إلى الكيان الإرهابي المزعوم.
(3) الأول تم احتضانه فكريا، والثانية تم احتضانها اجتماعيا.
(4) كل ما ورد على لسان عائشة الوافي هو من سيرتها الذاتية المعنونة بـ”ابني الضائع”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *