من الأمور العقدية المسلمة عند كل مسلم موحد لله تعالى؛ أن ما يجري في هذا الكون من تغيرات وأحداث عظام غير خارج عن قدرة وإرادة الله تعالى؛ وأن الله سبحانه ناصر أولياءه وممكن لهم؛ إن هم سعوا وعملوا على تحقيق شروط النصر التي حددها القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة.
وواقع الاستضعاف الذي تعيشه معضم الدول العربية والإسلامية اليوم؛ يستوجب منا وعيا عميقا وإدراكا كاملا لمخططات الأعداء ومشاريعهم ونظرتهم لمجريات الأحداث التي تشهدها الساحة العربية.
وقد شكلت الثورات العربية الشعبية التي انطلقت شرارتها من تونس، وانتقلت إلى مصر وليبيا واليمن ودول عربية أخرى زلزالا سياسيا، اهتزت لشدته كافة الدول الإقليمية والعالمية، نظرا للأثر الذي لعبته وستلعبه هذه الثورات في رسم مستقبل وخريطة المنطقة.
وقد كان الغرب والكيان الصهيوني من أكثر الدول التي تابعت الأحداث في المنطقة العربية بعين الترقب والقلق، وسارعت إلى إنجاز دراسات وأبحاث وتوقعات مستقبلية لخريطة الدول العربية بعد ما سمي بـ”ربيع الثورات العربية”، وتحديد شكل علاقاتها في مرحلة ما بعد الثورات مع المحيط العربي، وخصوصا مع الدول التي ترتبط مع الكيان الصهيوني بعلاقات دبلوماسية ومعاهدات سلام؛ والحيلولة دون نجاح الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في الانتخابات التشريعة القادمة.
وقد رفعت السفيرة الأمريكة بمصر (مارجريت سكوبي) مؤخراً تقريراً لإدارة الرئيس باراك أوباما تحذر فيه من “احتمالات صعود الإسلاميين خاصة السلفيين إلى سدة الحكم، وتحويل القاهرة إلى بيشاور جديدة في مصر”، ورصدت سكوبي في تقريرها التداعيات المترتبة عن هذا التطور الذي تشهده مصر على المصالح الأمريكية في مصر والمنطقة .
وطالبت سكوبي واشنطن بـ”مزيد من الدراسات المتخصصة لوقف هذا المد، خاصة مع تنامي دور الإسلاميين فى الشارع السياسي بعد الثورة، وبعدما أثبتت تلك الجماعات قدرتها على السيطرة الواقعية في الاستفتاء على التعديلات الدستورية”.
في حين عمد الكيان الصهيوني بدوره إلى القيام بالعديد من الدراسات والأبحاث في هذا المجال؛ نذكر منها الدراسة التي صدرت عن معهد أبحاث الأمن القومي “الإسرائيلي” (INSS) بعنوان: “رؤية استراتيجية صهيونية لـ”زلزال الثورات العربية” وتداعياتها”؛ كما عملت أجهزت الاستخبارات الصهيونية إلى نشر العديد من جواسيسها ومخبريها بين صفوف المحتجين والمتظاهرين؛ للاطلاع عن قرب بما يجري في الساحة العربية.
وقد فجر حادث اعتقال ضابط الموساد “إيلان جرابيل” الذي تولى قيادة العديد من المظاهرات التي تسعى إلى تأجيج نار الفتنة بين المسلمين والأقباط في مصر؛ وتسبب في إشعال بعض الأحداث الطائفية كأحداث كنيسة إمبابة وكنيسة أطفيح، فجر هذا الحدث خبرا من العيار الثقيل؛ وكشف أن أجهزت المخابرات المصرية مطالب منها في هذه الفترة الحرجة التي تمر بها البلاد مزيدا من الحرص والتيقظ.
في حين اعتبر باحثون أن كشف شبكة التجسس الصهيوني الأخيرة لن يكون ذا قيمة حقيقية دونما كشف عن شبكات تجسس أخرى تعمل تحت لافتات حقوق الإنسان ودعم الديمقراطية؛ وادعاء تعليم شباب الثورة مواكبة التغييرات السياسية وأصول الحرية على الطريقة الأمريكية والأوروبية.
وفي هذا السياق نبه متابعون إلى وجود شبكة تجسس كبرى لا يقل عددها عن 25 مؤسسة وهيئة غربية تعمل وتمول عملية اختراق الدول العربية؛ وهي مؤسسات تعمل تحت سمع وبصر المثقفين والسياسيين الذين صدعوا رؤوسنا بالحرية والثورة، والذين لا يتوانى بعضهم في التعامل مع هذه المؤسسات المشبوهة؛ التي تمثل إطاراً واسعاً يسمح باختراق الأمن وزرع الفتن.
ومن بين هذه المؤسسات الغربية الذي حذر منها باحثون ومختصون: المعهد الديمقراطي الأمريكي، والمعهد الجمهوري الأمريكي، وهيئة المعونة الأمريكية، ومركز الدراسات الدولية التابع للغرفة التجارية بواشنطن، ومعهد كارينجي للسلام، مؤسسة فريدرش ناومان وفريدرش إيبرت الألمانيتين، ومؤسسة فورد، ومعهد ألبرت اينشتاتين، والمؤسسة الدولية لأنظمة الانتخابات، ومركز فريدوم هاوس، ومعهد كانو الأمريكي، والمركز الدولي لحقوق الإنسان وترقية الديمقراطية ومعهد فريزر الكندي، ومؤسسة أطلس للأبحاث الاقتصادية، ومنبر الحرية، وغيرها من المؤسسات الغربية المشبوهة.
إن الغرب يسعى من وراء هذه الترسانة من المؤسسات والمنظمات إلى تحقيق كل ما يدخل تحت مسمى المصالح القومية الاستراتيجية، وسيلجأ إلى الضغوط الاقتصادية والسياسية لفرض السياسات التي يريدها ومنظوره للديمقراطية وحقوق الإنسان؛ وسيستمر في خطته المؤيدة للجماعات والأحزاب والاتجاهات العَلمانية، ودعمها بالمال والدعاية والتدخل لتمكينها من التأثير السياسي والثقافي، وإذا رأى أنه لا خيار أمامه إلا بين ديمقراطية لا تحقق أهدافه، ونظم استبدادية يأمل أن تحققها؛ فلن يتردد في اللجوء إلى الخيار الثاني. وسيجد أن لديه وسائل كثيرة لإفشال الديمقراطيات التي لا يريدها وتيئيس المواطنين منها وجعلهم يقبلون غيرها!!
ولتنوير الرأي العام وكشف جانب آخر من التحديات التي تنتظر الشعوب العربية؛ ارتأينا فتح هذا الملف الذي عنوناه بـ”رؤية غربية للثورات العربية”.