من الصوارف عن الحق: تقاعد وتقاعس أهله عن نصرته

محال أن يتوصل إلى الفلاح والصلاح، والرقي الحقيقي، والسعادة الحقيقية بجميع وجوهها، إلا بسلوك الطريق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وأرشد إليه، ودل الخلق عليه، ولولا جملة من الأسباب التي تمنع الناس من السير على ذلك والوقوف على ماهيته، لم يبق على الأرض سبيل ولا منهج سوى ما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم, وربى عليه أصحابه الكرام رضي الله عنهم.
ومن هذه الاسباب:
“تقاعد أهل الدين الحق عن نصرته، وتقاعسهم عن الذب عنه”
قال السعدي رحمه الله: “ولولا الجهل بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والتعصبات الشديدة، وإقامة الحواجز المتعددة والمقامات العنيفة لمنع الجماهير والدهماء من رؤية الحق الصريح والدين الصحيح، لم يبق دين على وجه الأرض سوى دين محمد صلى الله عليه وسلم لدعوته وإرشاده إلى كل صلاح وإصلاح، وخير ورشد وسعادة، ولكن مقاومات الأعداء، ونصر القوة للباطل بالتمويهات والتزويرات، وتقاعد أهل الدين الحق عن نصرته، هي الأسباب الوحيدة التي منعت أكثر الخلق من الوقوف على حقيقته” الفتاوى السعدية.
وقال الشاطبي رحمه الله مبينا أن سبب رواج البدع هوالسكوت عنها وترك إنكارها: “أن يعمل بها العوام، وتشيع فيهم وتظهر، فلا ينكرها الخواص، ولا يرفعون لها رؤوسهم وهم قادرون على الإنكار فلم يفعلوا، فالعامي من شأنه إذا رأى أمرا يجهل حكمه يعمل العامل به فلا ينكر عليه اعتقد أنه جائز، وأنه حسن، أوأنه غير مشروع أوأنه ليس من فعل المسلمين”. الاعتصام
وقال ابن عقيل رحمه الله: “لوسكت المحقون، ونطق المبطلون لتعود البشر ما شاهدوا، وأنكروا مالم يشاهدوا، فمتى رام المتدين إحياء سنة أنكرها الناس وظنوها بدعة” شفاء الصدور.
وقال ابن قتيبة رحمه الله: “وإنما يقوى الباطل بالسكوت عنه” الاختلاف في اللفظ.
ولذلك فالواجب على أهل الحق القيام بواجبهم من النصح لله وللرسول صلى الله عليه وسلم، والنصرة لدين الله والذب عنه، وحفظه من الضلالات والأهواء كما أمرنا الله جل وعلا بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ) الصف.
قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: “يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين أن يكونوا أنصار الله في جميع أحوالهم بأقوالهم وأفعالهم وأنفسهم وأموالهم وأن يستجيبوا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم”.
وقال العلامة محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله: “واجب العالم الديني أن ينشط إلى الهداية كما نشط الضلال، وأن يسارع إلى نصرة الحق كلما رأى الباطل يصارعه، وأن يحارب البدعة والشر والفساد قبل أن تمد مدها، وتبلغ أشدها، وقبل أن يتعودها الناس فترسخ جذورها في النفوس، ويعسر اقتلاعها” الآثار.
ولأجله كان أئمتنا من أهل السنة على سبيل واحد في الرد على أهل الأهواء والفساد والشر، وعلى نصرة الحق والذب عنه، بل جعلوا ذلك من أعظم الجهاد في سبيل الله تعالى.
روى الهروي بسنده إلى نصر بن زكريا قال: “سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول: سمعت يحيى ين يحيى يقول: الذب عن السنة أفضل من الجهاد في سبيل الله، قال محمد، قلت ليحيى: الرجل ينفق ماله ويتعب نفسه ويجاهد، فهذا، أفضل منه؟! قال: نعم بكثير” ذم الكلام.
وقال ابن القيم رحمه الله: “وقد كان السلف الطيب يشتد نكيرهم وغضبهم على من عارض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي أو قياس أو استحسان أو قول أحد من الناس كائنا من كان ويهجرون فاعل ذلك، وينكرون على من يضرب له الأمثال..” إعلام الموقعين، قلت : فكيف بالمستهزئ بشخصه الشريف صلى الله عليه وسلم؟!
مع العلم أن رد الباطل والصدع بالحق له شروطه كما قال الذهبي رحمه الله: “الصدع بالحق عظيم، يحتاج إلى قوة وإخلاص، فالمخلص بلا قوة يعجز عن القيام به، والقوي بلا إخلاص يخذل، فمن قام بهما كاملا، فهوصديق، ومن ضعف فلا أقل من التألم والإنكار بالقلب، ليس وراء ذلك إيمان، فلا قوة إلا بالله” السير.
فوا أسفاه -إذن- عن ترك الذب عن الحق، والخوف من كلام الخلق.
يقول العلامة ابن الوزير رحمه الله وقد عزم على الرد على بعض الرسائل من المخالفين: “وقد قصدت وجه الله في الذب عن السنة النبوية، والقواعد الدينية، وليس يضرني وقوف أهل المعرفة على ما لي من التقصير، ومعرفتهم أن باعي في هذا الميدان قصير، لاعترافي أني لست من نقاد هذا الشأن، وإقراري أني لست من فرسان هذا الميدان، لكني لم أجد من الأصحاب من يتصدى لجواب هذه الرسالة، لما يجر إليه ذلك من القالة، فتصديت لذلك من غير إحسان ولا إعجاب، ومن عُدِم الماء تيمَّم التراب، عالما بأني لو كنت باري قوسِها ونِبالها، وعنترة فوارسها ونزالها، فلا يخلو كلامي من الخطأ عند الانتقاد، ولا يصفو جوابي من الخطأ عند النقاد، والكلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هو كلام الله في كتابه العزيز الكريم، وكلام من شهد بعصمته الذكر الحكيم، وكل كلام بعد ذلك فله خطأ وصواب، وقشر ولباب، ولوأن العلماء رضي الله عنهم تركوا الذب عن الحق خوفا من كلام الخلق، لكانوا قد أضاعوا كثيرا، وخافوا حقيرا” العواصم والقواصم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *