معالم على طريق النصر -2- عبد القادر دغوتي

– من مخاطر حب الدنيا والانهزام أمام زخرفها وبريق متاعها وشهواتها
ـ الانشغال عن الآخرة: فمن ركن إلى الدنيا واطمأن إليها شغلته عن التزود لأخراه، وأنسته ذكر ربه. قال تعالى: “ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر” التكاثر 1-2.
ـ كثرة الهم وتشتت الشمل ودوام الفقر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “من كانت نيته الآخرة جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته الدنيا فرق الله أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له”1.
ـ التعاسة والشقاء والهلاك: قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: “تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض”2 وتعس: أي هلك.
ـ التنافس عليها، واشتعال نار العداوة بسببها: جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال:” جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، وجلسنا حوله، فقال:” إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يُفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها. 3″
وقال عليه الصلاة والسلام: “..فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم .4”
ـ وعلى العموم، فإن الدنيا بحر عميق من اطمأن إليها ولم يأخذ حذره منها؛ غرق فيها. قال لقمان الحكيم لابنه: “يا بني، إن الدنيا بحر عميق قد غرق فيها كثير من الناس، فاجعل سفينتك فيها تقوى الله تعالى”5.
– سبيل الانتصار على الدنيا
ـ عدم منحها أكثر مما تستحق من أعمارنا وأوقاتنا وتفكيرنا وهمنا، فهي أحقر ما تكون منزلة ومكانة عند الله تعالى، فعن النبي صلى الله عليه وسلم: “لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء”6.
وقال ابن القيم رحمه الله: “ما مضى من الدنيا أحلام وما بقي منها أماني، والوقت ضائع بينهما”7.
ـ القناعة والرضا باليسير منها؛ فليست العبرة بالجمع والإكثار من حطامها، إنما العبرة بالقناعة وغنى النفس، فمتى توفر هذان؛ عاش الإنسان أهنأ حياة وأسعدها.
قال المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: “ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس”8، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: “من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها”9.
ـ الطمع فيما هو خير وأبقى، وهي الدار الآخرة. قال تعالى: “بل توثرون الحياة الدنيا، والآخرة خير وأبقى “الأعلى.
فالحياة الآخرة هي الحياة الحقيقية، التي فيها اللذة التامة والسعادة المطلقة الكاملة والنعيم المقيم. قال جل وعلا: {وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون} العنكبوت :64.
وقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: “اللهم لا عيش إلا عيشُ الآخرة”10.
وحاصل القول، أن الانتصار على الدنيا والتسامي على مفاتنها؛ أساس نصر الله لنا على أعدائنا، وإلا فأنى ينصر اللهُ من كانت الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه وأسمى غاياته وأمانيه؟!
وبقدر ما تتمكن الدنيا من القلوب بقدر ما تقل حظوظ النصر؛ لذلك فإنه لما ضعفت فئة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، ولو قليلا أمام الدنيا؛ لحقت الهزيمة جيش المسلمين كله بسببهم، بعد أن كان النصر حليفهم كما حدث يوم أحد، وقد أنزل الله تعالى في هذه الواقعة قرآنا يتلى للاعتبار والاتعاظ.
قال سبحانه: “ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسُونهم بإذنه، حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم، ولقد عفا عنكم، والله ذو فضل على المؤمنين “آل عمران :152.
إن طريق النصر واضح وأسبابه ميسرة، فما على الأمة إلا أن تسلكه و لا تحيد عنه، وفي ذلك عزتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ صحيح الجامع : 6516
2 ـ صحيح البخاري: 2886
3 ـ صحيح رياض الصالحين: 430
4 ـ نفسه، رقم الحديث: 429
5 ـ تنبيه الغافلين، الإمام الفقيه أبو الليث السمرقندي، ص 171.
6 ـ سنن الترمذي: 2320.
7 ـ الفوائد، ص:50.
8 ـ صحيح رياض الصالحين: 488.
9 ـ سنن الترمذي:2346.
10 ـ صحيح رياض الصالحين:431.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *