صناعة النخب المزورة والرجوع إلى إقامة الشريعة

كثيرة هي الإشكاليات الكبرى التي بقيت عالقة في أغلب الدراسات التي تعنى بتاريخ المغرب الحديث، ولعل من أبرزها ما ننبه إليه من خلال الأسئلة التالية:
لماذا قبلت النخبة باستقلال توافقي يُبقي على النفوذ الثقافي والاقتصادي في المغرب؟
لماذا لم يستأنف المغرب العمل بالشريعة الإسلامية بعد خروج الاحتلال الفرنسي؟؟؟
ولماذا تخلى حزب الاستقلال عن هذا المطلب بعد حين من الاستقلال؟؟
وكيف يمكن تفسير استمرار الدولة في تبني القوانين التي سنتها الحماية، والتي كان العلماء يناهضونها ويقاتلون من أجلها المحتل الفرنسي؟
ولماذا انزوى العلماء المفترض أنهم حراس الشريعة الذائدون عن حياتها واكتفوا بالتنديد في توصيات مؤتمرات رابطتهم؟
بل كيف تم عزلهم عن الحياة السياسية وإبعادهم عن عملية إرساء أسس الدولة بعد الاستقلال؟؟
لا شك أن حلحلة هذه الأسئلة ومقاربة الموضوعات التي ترتبط بها من الأهمية بمكان وتحتاج إلى أطاريح جامعية، الأمر الذي يجعل الإحاطة بها في مقال كهذا نوعا من العبث.
لذا نكتفي بالحديث عن آلية من الآليات الرئيسة التي اشتغل بها قادة الاحتلال الفرنسي في المغرب؛ وهي: صناعة نخبة تتربى تربية تتوافق مع ما تريده فرنسا، وتعطى تعليما يَفِي بمهمة تدبير الشأن العام في المغرب بالشكل الذي يحفظ استمرار تبعية بلادنا للنفوذ الفرنسي، ويحول دون استئناف العمل بالشريعة الإسلامية.
يقول الجنرال ليوطي في سنة 1920؛ أي بعد فرض الحماية بـثمان سنوات، منبها بني قومه وقادته إلى هذه الآلية محذرا لهم من الخمول في التعامل مع الأحداث التي كانت تجري في المغرب إذا هم أرادوا الاستمرار في حكمه:
“إن الخطأ الذي لا يمكن غفرانه هو أن نلجأ إلى الخمول ونحن في المغرب، بحيث نتخيل بأننا يمكن أن نظل لأطول وقت ممكن، قادرين على تجنب الصدمات التي يمكن أن تتولد في مسار الأحداث، وَمِمَّا لا شك فيه أن أحسن علاج ممكن إنما يكمن في الإسراع قدر الإمكان بتزويد النخبة المغربية بالوسائل الكفيلة بالتطور، حسب المعايير المناسبة، بحيث تشعر تلك النخبة في الوقت المناسب بالرضا والارتياح عن مآل تطلعاتها المقدرة لها، وبحيث نقوم نحن في خضم كل ذلك، بدور الوصي والأخ الأكبر لها الذي يفكر في خيرها، والذي من مصلحتها أن تظل مرتبطة به، وهكذا سنستفيد نحن في هذه الحالة من إحدى المميزات الكبرى المرجوة، وهي أننا سنجد أنفسنا هنا نتعامل مع أمة تُمارس انعتاقها تحت وصايتنا، لا مع هباء منثور لا ملامح خصوصية لديه…”(1).
كلام ليوطي هذا أورده أحد خلفائه على المغرب وهو المقيم العام جلبير گرانفال(2)، الذي عين في سنة 1953م، أورده في مذكراته في سياق الحديث عن تدبير الوضعية المستعصية التي كانت تواجهها فرنسا بعد تنصيب ابن عرفة بدل السلطان محمد الخامس، واستشهد بها آنذاك، ضمن وثيقة مفصلة تتألف من خمس وأربعين صفحة، وصفها في مذكراته بأنها على درجة ملموسة من الدقة.
إذًا نحن أمام كلام لسياسي محنك يعتبر بالإجماع باني الدولة الحديثة في المغرب، عمل بمقتضاه طيلة حكمه في المغرب، ودافع عن استراتيجيته التي تبناها خلفاؤه من بعده، حيث استطاعوا أن يصلحوا الخطأ القاتل لسياسة الاحتلال والذي ارتكبه الساسة والعسكريون المتعنتون المتطرفون عندما مسوا بالعرش الذي يمثل رمزا دينيا على اعتبار الجالس عليه أميرا المؤمنين، فقامت الدنيا ولم تقعد إلا برجوع السلطان إلى عرشه.
وبالرجوع إلى كلمة ليوطي نلاحظ أنه ركز على ما يلي:
1- الدعوة إلى العمل بشكل دؤوب لا يعرف الخمول.
2- الإجابة على سؤال: كيف يتجنبون الصدمات التي تتولد في مسار الأحداث أي: المقاومة الجهاد، وعي النخبة بمخططات الحماية، آثار بناء المدارس من طرف الوطنيين، انتشار الحس الوطني، آثار القادة المجاهدين كالهيبة والزياني وَعَبد الكريم الخطابي.
3- توصيف طرق العلاج التي يجب أن تسلك؛ وهي الإسراع بتزويد النخبة المغربية بالوسائل الكفيلة بالتطور.
وماهي الاحترازات؟؟
4- اختيار النخبة وعملية التزويد ونوعية الوسائل، يجب أن يكون حسب المعايير المناسبة.
5- تحديد الأهداف الجزئية المساعدة على تحقيق الهدف الأكبر وهي:
أ- أن تشعر تلك النخبة في الوقت المناسب بالرضا والارتياح عن مآل تطلعاتها المقدرة لها.
ب- نقوم نحن -أي فرنسا- في خضم كل ذلك، بدور الوصي والأخ الأكبر لها الذي يفكر في خيرها، والذي من مصلحتها أن تظل مرتبطة به.
6- الهدف الأكبر:
وهو أننا -أي فرنسا- سنجد أنفسنا هنا نتعامل مع أمة تُمارس انعتاقها تحت وصايتنا.
هذه الآلية تسمى صناعة النخبة البديلة، التي تشغل المناصب وتدير المؤسسات وتؤثث المشهد السياسي والحزبي والجمعوي والنقابي والفكري والثقافي حتى تتكامل الأدوار، وتؤدى الوظائف.
تسمح لهم بتكوين الأحزاب وإنشاء الجمعيات وإصدار الجرائد والمجلات، وتنظيم الندوات بل تدعمهم وتروج لناشاطاتهم، فيملؤون سمع الدنيا وبصرها، لكن دون تغيير على أرض الواقع، ليكتشف الجمهور أنهم مجرد نخبة مزورة تعطي الشعور للشعب أنها تمثله، وبعد عشرات السنين يستيقنُ أنها كانت أحجارا على رقعة الشطرنج.
لكن بقي شيء ما لم يقله ليوطي في هذه الكلمة المختصرة، هو أن هذا الصنف الذي سيختار التعامل معه بهذه الخطة، هو الصنف الذي لا يؤمن بالعنف والجهاد والمقاومة، صنف يؤمن بالسلام المطلق والتفاوض كحل وحيد وفريد لحل المشاكل والأزمات، ويقبل بالقنوات العلمانية لتصريف الأمور العالقة.
ومع ذلك، فإذا كان ليوطي قد أغفله فإن المقيم العام جلبير گرانفال وهو من المدرسة نفسها، صرح به بعد ذكره لكلام ليوطي المذكور آنفا، بل اعتبره غاية في الدقة حيث قال: “فالواجب يفرض علينا أن نفصل بين ما هو من قبيل الإرهاب وبين ما يعتبر من قبيل الوطنية”.
هذا سنة 1953، لم تكن يومها أحداث 11 شتنبر 2001 قد وقعت بعد، ولم تكن هناك لا قاعدة ولا داعش، لكن مصطلح إرهاب كان حاضرا في الفكر السياسي والاستراتيجيا الحربية للغرب. فلعلنا بهذا نفهم لماذا، تعطي أمريكا للإرهاب مفهوما خاصا تميز به بين ما ومن يخدم مصالحها في بلداننا، فتجعل من تشاء في قائمة الإرهاب سواء من الأشخاص أو الجماعات الإسلامية أو حركات المقاومة وترضى عمن تشاء، وعلى أساسه تحارب من تشاء وتدعم من تشاء، ويتبعها في ذلك -للأسف الشديد- غالبية الدول الإسلامية.
هذه التبعية هي التي تجعل الدول الإسلامية لا تستطيع إلى حد الساعة أن تجد وسيلة للحوار والتوافق مع جزء عريض من شعوبها تمثله التيارات والحركات الإسلامية.
بل تفضل توزيع أتباعها على السجون والمقابر مفضلة إرضاء الغرب والإذعان لضغوطه، على التوافق الحقيقي المفضي في النهاية إلى تفعيل مقومات الهوية في تدبير الشأن العام وعلى رأسها الرجوع إلى العمل بالقرآن الكريم والسنة النبوية بدل القوانين الوضعية التي أرستها جيوش الاحتلال في ربوع المسلمين.
فـ”الإرهابي” عند الغرب هو كل مسلم يتبنى الدفاع عن مطلب الرجوع إلى إقامة الشريعة الإسلامية، ويدخل في قائمة الإرهاب كل مؤسسة أو حزب أو جمعية تدافع عن هذا المطلب.
إن عولمة النموذج العلماني واستبداد القادة الغربيين تجعل العقل الجمعي لدى الغرب يحكم على أغلب تعاليم الإسلام بأنها تتراوح بين الإرهاب والتطرف بداية من الحدود ومرورا بشؤون المرأة وأحكام الزواج، وانتهاء بقيود تصريف الشهوة وقيم الحفاظ على العفة.
وهذا الموقف الغربي من ديننا وشريعته بفعل الضغوط الغربية على بلداننا أصبح مقبولا عند نخبنا المزورة، حيث صار يُشترط في تكوين الأحزاب والجمعيات والمنظمات في بلاد المسلمين ألا تبنى على أساس ديني.
إن التميز الغربي بين “الإرهابي” و”الوطني” خطير للغاية، فبموجبه قُتل الآلاف ممن كانوا مع أبطالنا مثل الشيخ الهيبة ماء العينين، وموحا وحمو الزياني، والشيخ السبعي وغيرهم كثير، قتلوا لأنهم “إرهابيون” في حين بقي الگلاوي والجباص والمقري.
وكذلك في فلسطين قتل الشيخ أحمد ياسين والرنتيسي ونزار ريان، وبقي عرفات وعباس وَعَبد ربه وحنان عشراوي، وفي ليبيا قتل عمر المختار وإخوانه من المجاهدين، وبقي الخونة والمنافقون.
واستمر القتل إلى غاية الأسبوع المقبل حيث قتل مطيع الرحمن نظامي في بنغلاديش على يد النخبة العلمانية المزورة، تماما كما قتل في مصر بالأمس حسن البنّا وسيد قطب وعبد القادر عودة على يد جمال عبد الناصر الزعيم المزور، الذي أوشكت الشعوب المخدوعة أن تضيف اسمه إلى لفظ الشهادتين عياذا بالله.
لكن علينا أن نسجل أن آلية صناعة النخبة قد تطورت مع التطور العام المنحرف في بلداننا، فانضاف إلى صناعة السياسيين والقادة المزورين، صناعة رموز للشواذ والداعرات، مثل عبد الله الطايع الذي صنعته فرنسا بنشر أدبه الشاذ، وتحتفي به القناة الثانية الفرونكوفونية بين الحين والآخر، ومثل ابتسام لشكر التي تفتح لها قناة فرونس 24 أبوابها حتى تنشر أفكارها الداعرة، التي تدافع عنها بتبادل القبل الساخنة أمام البرلمان.
لكن يبقى من الأهمية بمكان أن ننوه بالوعي الجمعي الذي أصبح معه من الصعب خداع الناس بسهولة، الأمر الذي تطلب المزيد من الاستبداد والتحكم والانقلاب حتى لا تصل النخبة الحقيقية إلى تدبير الشأن العام، وحتى نبقى نمارس الانعتاق في ظل الوصاية على حد تعبير المرشال ليوطي.
وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
—————-
(1) جلبير گرانفال، أسرار مهمتي بالمغرب، ترجمة محمد بن الشيخ، ص 44.
(2) جلبير گرانفال هو المقيم العام الفرنسي الذي تولى مهمة إدارة الأوضاع في المغرب بعد نفي السلطان محمد الخامس وقيام ما سمي بثورة الملك والشعب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *