تزخر الكتابات الحداثية بالدعوة إلى قراءة نقدية إصلاحية للتراث الإسلامي، وأول ما يفاجأ به الواقف على هذه الأدبيات هو كثرة التجريد والتنظير على حساب الحديث عن المناهج الملائمة لذلك، وبعيدا عن التمثيلات المناسبة التي تكشف عن طبيعة الإشكالية النقدية وآليات القراءة الإصلاحية، وهو أمر يدل على سذاجة الدعوة وسطحية الرؤية، وينضاف إلى ذلك غربة اللغة التي يستعملها أصحاب هذه الدعوات الناتجة عن غربة الفكر والعقل عن التراث الإسلامي.
ومما يدل على هذا أن عملية النقد التراثي لم تزل مستمرة، ولم تتوقف في أحلك الظروف، وكان من أهم ما يميز هذه العملية النقدية أنها كانت ولا تزال عملية نقد ذاتية بأدوات ذاتية استخرجها النقاد المسلمون من أهل التخصص من الممارسة والعمل النقدي نفسه، وتطورت الآليات والأدوات عبر الزمن، لتشكل منظومة متكاملة لها قدرة عالية على اكتشاف الخطأ وتصحيحه، وملاحظة المتوقف وتحريكه، والوقوف على الصحيح لتطويره، وقد أنتجت هذه العملية المستمرة الشاملة تراثا كبيرا جدا، تبدو الدعوات الحداثية للبدء في نقده كمن يريد النحت في جبال الهمالايا بإبرة!
تأملت مرارا شكل ومضمون هذه الدعوات الحداثية للنقد الإصلاحي للفكر الإسلامي، فرأيت جنوحا عن قصد التحديث إلى الرغبة في الإزالة، ويمثل ضعف التكوين في مختلف الفنون العلمية المؤسسة للتراث والفكر الإسلاميين وقلة الاطلاع على المنتوج المباشر له أحد أكبر الأسباب التي تنقص من قيمة هذه الدعوات التغييرية بل تعدمها، ولوضع القارئ في صورة الحدث، يصلح التنبيه على أن العملية النقدية الإسلامية لهذا التراث قائمة على عقلين ومنهجين عظيمين، يميزان الفكر الإسلامي، بخصوصيات راقية وعالية، تحققت فيهما شروط المنهجية المناسبة، لأنهما نتجا من داخل التراث نفسه، ومن داخل العملية النقدية ذاتها، وهما علم الحديث الذي يمثل عقل التوثيق والتحقيق في الفكر التراثي الإسلامي، وأصول الفقه الذي يمثل العقل الاستخراجي والتخريجي، وهما عقلان متداخلان ومتكاملان، وعليهما قام الفكر الإسلامي، وليس لغير المسلمين مثلهما.
في مقال منشور بصحيفة الصباح المغربية العدد 5167 كتبت الدكتورة السيدة أسماء المرابط عن محاولة لفهم إشكالية التطرف، وبدا واضحا من مقالها منذ الوهلة الأولى الضعف من حيث المرجعية الوثائقية المعتمدة، وعند حديثها عن الأسباب الدينية حشدت الكاتبة كما من المفاهيم التي كان عليها أن تكشف عن حقيقتها في سياق المقال مثل “القرون الوسطى” و”الإسلام السياسي” و”خطاب إسلامي حرفي” و”المراجع الإسلامية التقليدية” و”الإصلاح” و”الرؤية المانوية”.
وليس من السهل كما قد يظهر لبعض الناس أن توظف مثل هذه المصطلحات دون تبيين الوجه المفهومي المقصود، خصوصا عندما يلوح للقارئ الذكي نوعية الحشو المستورد، فما الذي كانت تعنيه الكاتبة بـ”القرون الوسطى”؟ هل هي القرون الوسطى الميلادية أو الهجرية؟
فإن قصدت الأولى، فهي عصور الازدهار الإسلامي تنظيرا وممارسة، وإن كانت تقصد الثانية فما هي هذه القرون؟ وأية جغرافية تقصد؟ فلم تكن الأمصار على نمط واحد كما ذكر ابن خلدون في المقدمة.
ما الذي قصدته الكاتبة من “الرؤية المانوية” التي وصفت بها بعض التراث الإسلامي؟ وأي تراث تقصد، فإن كانت تقصد بالرؤية المانية -على ما درج خطأ على ألسنة من سبقها ممن تقلدهم في ذلك- الرؤية الثنائية القائمة على التمييز بين الكفر والإيمان، والكافر والمؤمن، فقد وقعت الكاتبة إذن في خطأ كبير ومخجل، لأن الرؤية المانوية وتشبهها الديصانية كما عند ابن النديم لا تقوم على ثنائية الكفر والإيمان، بل على ثنائية الأصلين القديمين للعالم، النور والظلمة، كما عند الشهرستاني في الملل والنحل، وعلى الغنوصية في التعبد كما قال ابن النديم، فثنائية الإسلام متعلقة بتكليف، وهو فرع عن توحيد الله تعالى، وثنائية المانوية متعلقة بأصل الخلق، وهي فرع عن الزندفة، ولست أعرف سببا لمثل هذه التجاوزات المعرفية عند بعض الكتاب مثل الدكتورة أسماء؟
هل كنت معتديا في هذا النقد، أم أن الأستاذة أسماء كانت تقصد بالضبط ما توقعته منها؟
لم تحوج الأستاذة أسماء القارئ لمقالها إلى عناء، فقد بينت قصدها من الثنوية المانوية بإشارتها إلى ثنائية الكفر والإيمان، والتي نسبتها إلى أغلب المراجع الإسلامية، وهنا أيضا، لست أدري أية مراجع تقصد؟ وعلى كل حال، فما جعلته الأستاذة أسماء رؤية مانوية هو نفسه الرؤية القرآنية المجمع عليها، فالناس عند الله تعالى إما مؤمن وإما كافر بأنواعه من مشرك وملحد ومنافق، ومرة أخرى، وقعت الأستاذة في خطأ، وكان أكبر من الأول، خصوصا عندما تذهب إلى أن الكافر النصراني واليهودي ليسا أعداء الله تعالى، وأن عدو الله تعالى هو فقط المفسد في الأرض، وهذه مخالفة لما أجمع عليه علماء المسلمين وعقلاؤهم طيلة تاريخ الإسلام، فهل هذه هي القراءة النقدية التي تحدثت عنها الأستاذة أسماء؟!
أصل الآن إلى أس الدعوى في المقال، وهو زعمها بأن أسباب التطرف الإسلامي اليوم موجود في كتب التراث التي تصفها بالتقليدية، وتؤكد أنه “لابد” و”يجب الاعتراف بذلك” في نوع من المجاوزة لمقتضيات البحث العلمي المتواضع، فليس من حقها أن تمارس هذا الاستعلاء والاحتكار، إنما كان عليها عرض وجهة نظرها، وأن تترك للقارئ الحق في نقدها.
يقصد هؤلاء الكتاب أن التراث الإسلامي هو السبب في التطرف الإسلامي، وهو نفس ما تزعمه الأدبيات الاستشراقية القديمة والحديثة، وهذا لا يعني إلا شيئا واحدا، وهو أننا أمام عملية اجترار ظاهرة، ولست محتاج لعرض شواهدي هنا، فالأمر أبين وأوضح، لكن، هل ما يدعونه صحيح؟
الجواب، يرجع الأمر في هذا إلى حقيقة مفهوم التطرف عند هؤلاء، فما يرونه تطرفا قد لا يكون إلا حكما شرعيا مستنبطا من الكتاب والسنة، وما يرونه اعتدالا وتوسطا قد يكون جرما ومصيبة في الشريعة الإسلامية، والمرجع في هذا إلى العقلين، عقل التوثيق والتحقيق، وعقل الاستخراج والتخريج، أي إلى العقل الجامع بينهما، وهؤلاء القوم… لا يكادون يفقهون فيهما حديثا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.