ظـلم الابتداع للذِكـر والصحابـة وآل البيـت محمد بوقنطار

من عيوب ومعايب الخلف المعاصر ظنه الواهم أنه بعيد في منأى ومنجى من الفتن، بينما هي على عكس هذا التوهم تترادف وتتدفق عليه من كل حذب وصوب، وتهجم عليه أمواج شبهاتها العاتية، فتطرق سمعه، وتتهارش على بصره وبصيرته، ويغالب هواها قلبه وعقله، فتدفعه المرة تلو الأخرى إلى لجة الشك، فاتحة في وجهه مصارع الحيرة والريب والاضطراب…
ولا شك أن المرء في ظل ما يتبناه، بل يتملكه من ظن واهم، لا يملك إلا أن يهيم غدوا ورواحا، جاهلا ومتجاهلا لأدبيات المواجهة، وقد اختلطت عليه سهام الرمي في ظلمة وعتمة، يزيد من فاقع سوادها انسراب المسلم المعاصر مع شهوات دنياه الباهرة، وشبهات أهوائها المردية، حتى ليكاد يصدق عليه وفيه قول الله جل جلاله تخبيرا عن صنف الكفار: “يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون”.
نعم يصدق فيه وعليه هذا كلما زاد حجم ذلك الانسراب، وتقوّت وتصوّلت في دواخله دواعيه ومقتضياته، فغلب إعراضه ومارس صدوده عن تعلم أصول دينه ومراد الله منها، بل وكلما غادر ثغور واجب المدافعة والحراسة والمرابطة، وفضل وآثر التحلل والتجرد عن زينة الالتزام والانقياد الذي هو لازم لا ينفك عن عرى الإيمان، وموثق كريم الانتساب إلى هذا الدين العظيم وهذه الأمة الموصولة بالله، وإنما كان الموثق كريما وسيبقى، لأنه موثق لا يجنح طرفه ولا يبغي علوا في الأرض ولا فسادا، كما لا يرضى هذا الطرف أن يعيش في كنف ذل أو حضن مهانة، أو تكون يده سفلى تسأل الناس إلحافا، تستجدي الدواء والغذاء والكهرباء والهواء، وتبيع دينها وحظها من عاقبة أمرها بعرض من الدنيا قليل…
ولا ريب أن من أوجه مغادرة تخوم المواجهة، والتحلل من التزام واجب الحراسة والمدافعة، إهمال المؤمن المعاصر واستصغاره من شأن ما تتعرض له حمى الفضل المطلق فضل الصحبة ومنارات هدى آل البيت تفريطا في البر بوصية سيد الخلق في صحابته وآل عثرته، سيما وأنها حمى طالها الإهمال، وهجرتها هموم واهتمامات نواصي وأفمام وأفئدة وأقلام الكثير من المنتسبين إلى الحصن المانع لأهل السنة والجماعة.
ولسنا بخصوص الكلام عن هذا الإهمال مهتمين بفحص دواخل هذا الهجر، أو تفكيك مضمون متعلقه إلى جزئيات نميز من خلالها ما يمكن اعتباره أصلا متروكا في ملام وكبير مخالفة، وما يمكن إرجاعه فرعا، ومن ثم فلا ضير ولا بأس في تمتيع الأمة بالحِل منه والتحلل من أوزاره، فهذا اهتمام أكيد أنه لا يحتاج منا إلى صرف منسوب اهتمام به، لأن تمت أولويات تصرف وجهة التعاطي إلى جهتها، وتضبط إعمال النظر في متعلق هذا الإهمال، معتبرة إياه أصلا من أصول هذا الدين، ومصدرا من مصادر استنبات مشاعر القوة والتميز في وجدان أمة الاستجابة.
خصوصا إذا علمنا أن ما حصل ويحصل من هتك لأستار هذا الجناب ذي الفضل المطلق -فضل الصحبة- إنما كان المتحكم في إهمال فَرْضِيَة عين التصدي وواجب المواجهة العقدية لمعشر المعتدين والمجترئين في عدوان وصفاقة، هو اعتقاد الجماهير العريضة من المنتسبين لحياض السنة والجماعة أن طبيعة هذا الخرق والاعتداء قد مس نصبه الشيطاني فرعا من فروع الدين، ومن ثم فالنصرة والمواجهة متى ما التقت صفوفها وأسمعت صفيق سيوفها في غير ضرورة ولا حاجة، فلن يعدو أمرها أن يكون دفاعا عن ذوات قد صارت أثرا بعد عين، كما صارت أخبارها، وقد تواترت المزاعم بسقوط مناسبة روايتها بمكرهة تقادم تاريخها.
ولذلك صح اعتبارها مواجهة من شأنها أن تزيد الأمة افتراقا وتشردما، ومن شأنها أن تسافر بمستقبل هذه الأمة، وتغامر بإدخال حاضرها ورهنه حبيس أتون فتنة الماضي السحيق الذي تجاوزه عصر الذرة والعولمة والحداثة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت العلم والقوة المادية القاهرة، وأنها قبل هذا نصرة ومواجهة ربما أضاعت بوصلة الاتجاه التي تحدد بدقة وصحة تقدير الصوب الحقيقي للمواجهة، كما تمكن من وضع يد المسلم على مكمن تربص الأعداء الحقيقيين للأمة -سنتها وشيعتها- من أولئك الذين استوعب ويستوعب وسيستوعب بغيهم وعدوانهم وتكالبهم خليط الملل والنحل والمناهج الإسلامية…
ولا شك أنها تبريرات ومسوغات متهافتة تخرج من دواخل المنتسب وتغادر نواصيه وهي فاقدة لمنطق الإقناع منسلخة عن وجه الاستدلال، ولا أدل على تهافتها وضعف مبررها من الوقوف على منزع إبعاد واجب الدفاع عندها، تحت ذريعة أنه قد أهدر جهده بانتصاره لذوات ما ضرها ولن يضرها هذا الاعتداء، طالما هي ذوات قد خلت وكان لها ما كسبت كما كان عليها ما اكتسبت، وهو كسب واكتساب في دائرة مضيه وخلوه وانصرام أحداثه له لازمه الذي يكفي الأمة المتداعية الأركان مؤنة دخول معترك أتون الفتنة ومصيبة تشظي روابط الجبهة الداخلية، حيث الكل يرفع صوته مجلجلا بكلمة التوحيد زاعما الاستمساك بعروتها الوثقى، في إجمال له تفاصيل تحيل وتنقل ثلاثة أرباع هذا الكل، جزء منه عن الملة، وجزء آخر عن النحلة، وجزء أخير عن المنهج.
وهو الأمر الذي لم يكن ملمحه ذا وزن حاضر في وجدان جيل التابعين، ورعيل تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، حيث كان الاعتبار قائما على فهم صحيح لطبيعة الدفاع ونوع المواجهة، فَهْم واقتحام عقبة لم ينس ولم يستثن الدفاع عن هذه الذوات باعتبارها حالة لها ما تمثله من رمزية وازنة متشبعة بما تحمله من ثقل موروث التركة النبوية الشريفة، المنبثقة في غير انفكاك على طول الخط عن صفة النقل ومستند درايته المباركة.
ولذلك كان من السهل الوقوف على حقيقة أن ذلك الجيل ومن بعده ذلك الرعيل، وهما يتناولان حقيقة إخبار الله عن الحكمة التي طبعت صفة الاصطفاء كما عند قوله تعالى: “الله أعلم حيث يجعل رسالته” لم يمارسا أو لم يفهما من هذا الاصطفاء أنه محصور مقصور في جانب قضية هذا الجعل الإلهي على الأصل حيث تنزل الروح الأمين بالوحي على قلوب المصطفين من الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، ولكنهم أدركوا ابتداء أن هذا الجعل الإلهي متعد ومتجاوز لهذا الأصل عاطفا ومعرجا به على فرع الإراثة ومسألة التوريث، حيث الاصطفاء هنا خاص وشامل لمن يحملون أو حملوا تركة الإرث النبوي، ولواء الدعوة إلى الله وتأدية أمانة إخلاص النصح والتبليغ عن الله ورسوله بعد انقطاع الوحي بموت الرسول والتحاقه بالرفيق الأعلى، وكذا وصلهم في غير انقطاع لحبل الهجرة المتجددة والجهاد والنصرة وبذل المهج وإنفاق الأموال، ومفارقة من حاد الله ورسوله براءة لله ورسوله، حتى وإن كان المحاد من جنس الآباء والأبناء وأصول الدم وقربى الآل والعشيرة.
ويبقى الفارق بين مفاوز ذلك الجيل والرعيل، وبين معايب المستنسخ من الأجيال المعاصرة، أن سلفنا من التابعين وتابعيهم بإحسان قد استشعروا ووقفوا على حجم الخرق الواقع في أصول الدين وفروعه، متى ما مُس محراب الصحبة برمي متحامل أو قدح مجرح في عدالتهم ومكانتهم المتسامية وفضلهم المطلق، الذي لا ولن يضاهيه فضل مخصوص أيا كان سعيه ودفاعه عن حمى هذا الدين العظيم وعرى بنيانه المتراص، ولذلك نجدهم قد اعتبروا مودتهم ومحبتهم من صميم الدين، وأنها قربة لله في شريعة الإسلام، وفريضة في معتقد المسلمين من الرعيل الأول، وفي هذا يقول الإمام أبو زرعة واضعا يديه على خطر التنقيص من قدر وشأن نقلة الوحي، معتبرا هذا الأمر مسا مباشرا في عين المنقول، وذلك ولا ريب مراد الغائر المتهجم، وهذا مقصوده وإن توارت النيات خلف أكمات مزاعم حب آل البيت: “وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة”.
وفي سياق المدافعة ذاته قال إمامنا مالك رحمه الله مخبرا عن حقيقة هؤلاء الذين يسبون الصحابة: “إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي عليه الصلاة والسلام فلم يمكنهم ذلك فقدحوا في أصحابه حتى يقال رجل سوء -اشاه بأبي هو وأمي- ولو كان رجلا صالحا لكان أصحابه صالحين”.
يتبع..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *