نعم؛ الحب في الله من أوثق عرى الإيمان، ومن أعظم القواعد التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي، وبه يحصل الوداد والوئام بين الناس، فيتحابون ويتزاورون ويتناصحون ويتناسبون ويأتمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر، وبه يحققون معنى الأخوة الإسلامية، وبه يجدون حلاوة الإيمان في معاملاتهم ومصاحباتهم ومعاشراتهم.
وقد روى أحمد (18524) عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: (إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الْإِيمَانِ: أَنْ تُحِبَّ فِي اللهِ، وَتُبْغِضَ فِي اللهِ). صحيح الترغيب (3030).
فالحب في الله من أعظم القرب وأفضل الأعمال.
وروى البخاري (13)، ومسلم (45)، والنسائي (5017) -واللفظ له- عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنْ الْخَيْر).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:” قَالَ الْكِرْمَانِيّ: وَمِنْ الْإِيمَان أَيْضًا أَنْ يُبْغَض لِأَخِيهِ مَا يُبْغَض لِنَفْسِهِ مِنْ الشَّرّ” انتهى من فتح الباري (1/58).
فإذا كان الإيمان الواجب لا يتم إلا بمحبة الخير للمسلم، وبغض الشر له: فنفس محبة المسلم، وموالاته: أولى من ذلك، وأعلى مقاما.
وعن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرًا فِي مَسْجِدِي هَذَا، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَقْضِيَهَا ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامُ). رواه الطبراني وغيره، وحسنه الألباني في الصحيحة (906).
وقد روى ابن المبارك في “الزهد” (746) عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: “جَاءَ رَجُلٌ إِلَى حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَاسْتَعَانَ بِهِ عَلَى حَاجَةٍ، فَوَجَدَهُ مُعْتَكِفًا، فَقَالَ: لَوْلَا اعْتِكَافِي لَخَرَجْتُ مَعَكَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَكَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَأَتَى الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، فَذَكَرَ لَهُ حَاجَتَهُ، فَخَرَجَ مَعَهُ لِحَاجَتِهِ، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي قَدْ كَرِهْتُ أَنْ أُعِينَكَ فِي حَاجَتِي، وَلَقَدْ بَدَأْتُ بِحُسَيْنٍ فَقَالَ: لَوْلَا اعْتِكَافِي لَخَرَجْتُ مَعَكَ، فَقَالَ الْحَسَنُ: “لَقَضَاءُ حَاجَةِ أَخٍ لِي فِي اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنِ اعْتِكَافِ شَهْرٍ”.
ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا له: (رَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ) كما في الحديث الصحيح المتفق عليه.
وروى أحمد (22002) عن عُبَادَةَ بْن الصَّامِتِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَحَقَتْ مَحَبَّتِي للمتزاورينَ في، وَحَقَّتْ مَحَبَّتي لِلْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَصَافِينَ فِيَّ الْمُتَوَاصِلِينَ). صححه الألباني في “صحيح الجامع” (4321).
ويمكن أن يصل العبد إلى هذه المنازل العالية والمراتب السامية بصدق المحبة، وإخلاصها لله، والتعاون فيها على البر والتقوى، والتناصح بالخير، والاجتماع على الطاعات، ونبذ المنكرات من الأقوال والأعمال، وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، ويفرح لفرحه، ويحزن لحزنه، ويعينه على طاعة الله وما أهمه من أمر الدنيا والآخرة، ويحفظه في غيبته، ولا يتأخر عن مساعدته أو مساعدة أحد من أهل بيته، وأن يذكره بالثناء الحسن، ويستر عورته، ولا يغتابه، ولا يبهته، ويعامله معاملة أخيه من النسب، بل أفضل من ذلك.
وبالجملة: يعامله بكل معروف يحب أن يعامَل هو به، من قول أو فعل في غيبته وشهادته.