حوارا الكنبوري وتاج الدين الحسيني حاورهما: مصطفى الحسناوي

في هذه الورقة حاولنا تسليط الضوء على زيارة بابا الفاتيكان للمغرب، من خلال وجهتي نظر مختلفتين، تتناولان الزيارة وخلفياتها التاريخية، وآثارها الدينية والسياسية والحضارية، والنتائج والثمار التي ينتظر المتنصرون المغاربة جنيها منها.

وجهتا نظر استقيناهما من حوارين، مع كل من د.إدريس الكنبوري، ود. تاج الدين الحسيني،

 الكنبوري*: إفريقيا اليوم هي الساحة الرئيسية الكبرى التي يخوض فيها الفاتيكان معركته من أجل نشر الديانة المسيحية

 

قبل قرون انتفضت أوروبا ضد المسيحية وضد الكنيسة، لكننا بتنا نلاحظ أدوارا متزايدة الآن للفاتيكان في أوروبا، بل وخارجها، كيف نفهم هذه التحولات؟

في الحقيقة لا يتعلق الأمر بتحولات كبرى أو انعطافة في مسار الفاتيكان، فالثورة ضد الكنيسة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر التي سميت بالأنوار أو النهضة لم تكن ثورة في العمق ضد السلطة الدينية أو الروحية للكنيسة، بل ضد سلطتها الدنيوية أو السياسية، بمعنى سيطرتها على مقاليد الدولة والهيمنة على الملكيات الأوروبية.

فأوروبا ظلت دائما مسيحية والفاتيكان ظل دائما المرجع في كل ما يتعلق بنشر الديانة المسيحية خارج العالم المسيحي الذي كانت تمثله أوروبا في الماضي.

لكي نعطي مثالا على ذلك لنأخذ الصحافة الأوروبية ومراكز البحوث في الغرب عندما تتحدث عن المسيحية، فرغم العلمانية وفصل الدين عن الدولة والسياسة إلا أن هذه الجهات لا تزال تفصل العالم على أساس ديني، ذلك أنها عندما تتحدث عن حجم المسيحيين في العالم مثلا تذكر بأن عددهم يتجاوز الملياري نسمة، وأنهم المجموعة الدينية الأولى، بمعنى أنها تحصي جميع المنتسبين إلى العالم المسيحي بالرغم من الحجم الكبير للعلمانيين واللادينيين والملحدين في أوروبا والغرب، وهذه المنهجية تتقاطع مع الفاتيكان الذي يتعامل على أساس أن كل من ينتمي إلى البلدان المسيحية بمقتضى المواطنة هو شخص مسيحي بالضرورة، أما المنهج العلمي، الذي يعتمد الممارسة الدينية لا الانتماء الثقافي للفضاء المسيحي، فسيعطي رقما أقل من ذلك بكثير جدا.

هذا مجرد مثال واحد لمعرفة مدى التقاطع الحاصل بين الفضاء المدني والفضاء الديني في الغرب، ويجب أن ندرك بأن الفاتيكان بعد نهاية الحرب الباردة في بداية التسعينات من القرن الماضي أطلق دينامية جديدة لنشر المسيحية في مختلف أرجاء العالم بعد نهاية المحور الشيوعي الذي كان يمثل الإلحاد المضاد للكنيسة، واليوم نحن نلاحظ تغيرا جوهريا في مركز المسيحية في العالم، فعلى سبيل المثال في بداية القرن العشرين كان أزيد من خمسين بالمائة من المسيحيين يتركزون في أوروبا، اليوم أكثر من خمسين بالمائة يتركزون في إفريقيا، وإفريقيا اليوم هي الساحة الرئيسية الكبرى التي يخوض فيها الفاتيكان معركته من أجل نشر الديانة المسيحية.

كيف ترون زيارة البابا للمغرب؟

زيارة البابا للمغرب هي زيارة تاريخية حقيقة، فالمغرب محور رئيسي لأنه كان دائما وسيبقى جسرا بين أوروبا والعالم الإسلامي وإفريقيا، وبحكم موقعه ذاك فقد شكل في المرحلة الاستعمارية حقل تجارب لنشر المسيحية، ومن هنا نفهم أهمية الظهير البربري الذي لم يكن فحسب فصل بين العرب والبربر بل أكثر من ذلك محاولة صياغة هوية ثقافية جديدة للبربر غير الهوية الإسلامية، وهو ما تبين من خلال العديد من الإجراءات التي كانت تنهجها السلطات الاستعمارية مثل منع سكان مناطق البربر من الذهاب إلى الحج، وليس سرا أن الكنيسة الكاثوليكية كانت وراء هذا الظهير.

هذا كان في الحقبة الاستعمارية، لكن اليوم تغيرت الظروف بعد الاستقلال، حيث أصبح الخطاب السائد والمطلوب ليس نشر المسيحية بل حوار الديانات والحضارات لتلافي المواجهة الحضارية التي تلوح في الأفق، والمغرب باعتبار موقعه وتاريخه يمكنه أن يلعب دورا كبيرا في هذا الحوار.

كيف ستؤثر الزيارة على المتنصرين المغاربة، وهل ستشجع المزيد على إعلان تنصرهم، ورفع سقف مطالبهم؟

أكيد، لقد لاحظنا منذ وقت طويل أن بعض المتنصرين المغاربة بدأوا يستعدون للزيارة برفع سقف مطالبهم والتلويح بالضغط على الدولة للحصول على مكاسب أكبر، فهم يعتقدون بأن زيارة البابا تشكل فرصة تاريخية غير مسبوقة لا تتكرر إلا كل نصف قرن وقد لا تتكرر، ولذلك هم يريدون اختطاف اللحظة، لأن البابا يمثل الراعي الأول للمسيحية في العالم والضامن للحرية الدينية، حسب زعمهم.

ومن المؤكد أن الكثير من هؤلاء سيجدونها فرصة للإعلان عن أنفسهم، لكن هذا في اعتقادي يسيء كثيرا إلى هؤلاء ولا يخدم قضيتهم، فالمغرب بلد متسامح تاريخيا وهناك تقاليد عريقة في التسامح والقبول بالآخر على الصعيدين الرسمي والشعبي، ومؤسسة إمارة المؤمنين هي في الأصل مؤسسة لحماية مختلف الديانات، وعندما ينص الدستور على أن الملك هو حامي الملة والدين فهو في الحقيقة يؤكد على هذا الاختيار، فالملة هي الملة الإسلامية، والدين هو كل دين يوجد في المغرب، وسبق للملك محمد السادس أن أعلن ذلك شخصيا، فقط لمجرد التذكير بحقيقة تاريخية يعرفها كل من لديه أدنى إلمام بتاريخ المغرب..

هل وجود أقلية مسيحية ضاغطة، يمكن أن تهدد مصالح المغرب الاستراتيجية، فضلا عن هويته وعقيدته؟Haut du formulaire

طبعا وجود أقلية دينية ضاغطة في أي بلد هو عنصر عدم استقرار، وبداية لخلق حالة من التوتر الطائفي المصطنع، مع العلم أنني أميز بين وجود الأقليات وبين توظيفها السياسي، فهناك فرق كبير بين الأمرين.

يجب أن يعرف الجميع بأن مسألة الأقليات ليست مسألة بسيطة، وأنها كانت بداية التغلغل الاستعماري في العالم العربي بل كان وراء تفكيك الإمبراطورية العثمانية، ومعلوم أن القوى الاستعمارية الغربية في الشرق استعملت ورقة حماية الأقليات في لبنان والعراق وسوريا وغيرها لتبرير الاحتلال، على أساسا أن هناك أقليات مضطهدة وأن هذه الأقليات في حاجة إلى حماية أوروبية وأن هذه الحماية لا تتم إلا بدون وجود عسكري وإداري في عين المكان.

طبعا اليوم صار الاستعمار التقليدي في حكم الماضي، لكن هذا لا يعني أن الاستعمار كمفهوم واستراتيجية لم يعد موجودا، الاحتلال اليوم يتم عبر السلطة الناعمة من خلال الترويج والتسويق لدراسات معينة لمراكز أبحاث لديها ارتباطات في أوروبا، المغرب بلد جد متميز في ما يتعلق بالتعددية الدينية وحرية العبادة، كما أنه يتوفر على مؤسسة في غاية الأهمية هي إمارة المؤمنين، لكن التميز لا يعني غياب القانون أو أن البلد ليست لديه هوية.

نحن نؤمن بأن هؤلاء المتنصرين المغاربة هم بالدرجة الأول مواطنون مغاربة قبل أن يكونوا مسيحيين، هم يشتركون مع المواطنين الآخرين في الانتماء إلى المغرب وهذا انتماء عام، لكنهم يختلفون عنهم في الديانة وهذا انتماء خاص، ولا يجب التضحية بما هو عام في سبيل ما هو خاص أو توظيف ما هو خاص لضرب الأسس التي ينبني عليها التعايش العمومي وفق قيم المواطنة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

*د.إدريس الكنبوري: باحث في قضايا الفكر الإسلامي ومقارنة الأديان.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تاج الدين الحسيني*: لا أعتقد أن هناك أقلية يمكن أن تتأثر بزيارة البابا لترفع سقف مطالبها

بتنا نلاحظ أدوارا متزايدة الآن للفاتيكان في أوروبا، بل وخارجها، فهل يمكن أن نتحدث عن عودة قوية للفاتيكان ولدور الكنيسة في رسم السياسات؟

ليست هناك أي إمكانية للمقارنة بين دور الفاتيكان أو دور الكنيسة، في أوروبا خلال القرون الوسطى، ودورها الحالي، الثورة التي قامت في بلدان أوروبا، كانت غير ذات رجعة، بل نلاحظ اليوم أن دور الفاتيكان، تقلص إلى حدود قلب الفاتيكان نفسها، فلم تعد له علاقة بالسياسة، علاقات الفاتيكان ربما هي اليوم دينية واجتماعية، لكن البابا نفسه يحاول الابتعاد عن السياسة ماوسعه الأمر.

هل ستشجع زيارة البابا المزيد من المتنصرين المغاربة على إعلان تنصرهم، ورفع سقف مطالبهم؟

لا أعتقد أن ذلك سيتحقق على الإطلاق، فليست هذه أول زيارة للبابا إلى المغرب، فقد سبق للبابا أن قام بزيارة إلى المغرب، في عهد الملك الحسن الثاني، واستقبل استقبالا حارا، في أكبر ملعب لكرة القدم، وألقى خطابه هنا، لكن كان الحديث دائما عن التعايش بين الأديان والتسامح، وعن دور هذا التعايش والتسامح في خدمة الأمن والسلم، ولذلك لا أعتقد أن هناك أقلية يمكن أن تتأثر بهذه الزيارة لترفع سقف مطالبها، خاصة وأن نسبة المسيحيين في المغرب، لا يمكن مقارنتها بنسبتهم في دول شرق أوسطية، مثلما هو الشأن بالنسبة لمصر أو سوريا او لبنان.

هل وجود أقلية مسيحية ضاغطة، يمكن أن يهدد مصالح المغرب الاستراتيجية، فضلا عن هويته وعقيدته؟

ليست هناك إمكانية على الإطلاق، لكي تهدد الأقليات المسيحية مصالح المغرب الاستراتيجية، بل بالعكس وجود هذه الأقلية في حد ذاته، وممارستها لشعائرها بكامل الحرية، وفي ظل الاستقرار، يمكن أن يدعم روح التعددية في المغرب، التي هي شعاره منذ الاستقلال، ولحد الآن، أي الوحدة في ظل التعدد، فالمغرب دائما يفتخر بأصوله وروافده المتعددة، والمغرب يبقى نموذجا لهذا التعدد، ولخلق تعايش ينعكس بقوة على وحدة الوطن في مواجهة التحديات الخارجية.

ــــــــــــــــــــــ

* د. تاج الدين الحسيني، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *