المدرسة المغربية في القراءات القرآنية (4) عمر خويا

 

ضوابط ثبوت النّصّ القرآني:

اتّفق القرّاء على ضوابط ثبوت النّصّ القرآني إجمالا وأوضحوا بيانها تفصيلا؛ واشترطوا في ثبوت القراءة: صحّة الرّواية وموافقة رسم أحد المصاحف العثمانية وعدم مخالفة الوجه العربي الصّحيح.

  • الرّواية:

والرّواية إذا ثبتت ثبوتا قويّا قضت على غيرها؛ وهي نوعان: رواية العوامّ ورواية الخواصّ.

  • الرّواية العامّة:

وهي التي يتلقّاها المبتدئ عن الكتّاب ونحوه تلقينا عن معلمّين تتفاوت درجات إتقانهم لقواعد التّجويد، مع الاستعانة بالمصاحف التي تحترم وضوابط قراءة معيّنة. وهذه الرّواية متواترة تواترا عامّا بالنظر إلى طريقة أدائها في سائر الكتاتيب القرآنية. لكن لا يسلم هذا النّوع من التّلقّي من ملاحن خفيّة تنشأ عن عدم تقوية الألسنة على قواعد التّجويد، فيخلط القارئ بين طرق مختلفة، كأن يقرأ بالتّسهيل لقارئ وبالتّفخيم لقارئ آخر. ولا يستطيع تصحيح هذه الأخطاء إلا المهرة العارفون بغوامض القراءة.

  • الرّواية الخاصّة:

وتعتمد توثيق الرّواية بإجازة القارئ (المتمّ للقراءة أو المقتصر على بعضها) إجازة متّصلة السّند بالنبيّ صلى الله عليه وسلم. وشرط السّند أن يكون صحيحا ونقلُ الرّواية متواترا. ونظرا لكثرة الرّوايات وتعدّد طرقها فقد انبرى أئمّة القراءة للبحث في أحوال الرّواة جرحا وتعديلا، فألّف في ذلك أبو عمرو الدّاني وأبو عبد الله الذهبي(ت748ﻫ) وابن الجزري.

  • الرّسم في المصحف العثماني:

اشتهرت عند القرّاء من المصاحف العثمانية ستّة عُرفت ب”مصاحف أهل الأمصار”: المدينة ومكّة والكوفة والبصرة والشّام وسائر العراق، والمصحف الخاصّ بالخليفة عثمان رضي الله عنه. وقد كُتب المصحف العثمانيّ وفقا لقواعد السّبعة أحرف الواردة في الحديث الشّريف، بحيث إنّ هذا الرّسم استوعبها أصلا بالرّغم من أنّ قصد لجنة النّسخ هو كتابته على أساس قراءة واحدة، غير أنّ طبيعة الخطّ العربي إبّانئذ؛ المجرّد من الشّكل والتّنقيط والمحذوفة بعض حروفه، أمكن من استيعاب كلّ ما تواتر نقله، فأصبح هذا من أركان قرآنية النصّ، ثمّ بيّن الضّبطُ فيما بعد وجوه الأداء التي لا شكّ أنّها من معاني الأحرف السّبعة.

واعتبار الرّسم العثمانيّ من أسس تصحيح الرّواية حتّم على القرّاء الحفاظ عليه كما هو خشية أن يفتح تطويره باب التّعديل والتّغيير؛ وأفتى أبو عمرو الدانيّ في المقنع بحظر التّغيير في أمّهات المصاحف، أمّا في الألواح والتّعليم فلا بأس. واشتهر القول بأنّه لا ضير بمخالفة صريح الرّسم في حرف مبدل أو مدغم أو محذوف ونحو ذلك، ما دامت القراءة به ثابتة والقراءة ذاتها صحيحة. وتوالت التآليف في رسم المصاحف واختلافه، وممن كتب في ذلك أبو حاتم السّجستاني (ت255ﻫ) وأبو بكر الأنباري (ت327ﻫ)، ونظم فيه أبو القاسم الشاطبي ومحمد بن محمد الخراز الشريشي (ت718ﻫ).

  • موافقة الوجه العربي:

وتحصل بموافقة القراءة المتلقاة بالسّند الصّحيح لوجه عربيّ صحيح فصيح أو مختلف فيه اختلافا لا يضرّ مثله. وينبغي أن ننتبه إلى أنّ لغة القرآن هي التي تثبت الوجه العربيّ الصّحيح وليس العكس؛ لذلك فإن أئمّة القراءة لم يلتفتوا لانتقاد النّحاة لبعض أوجه الأداء المرويّة عن كبار القرّاء. لكن لابدّ من موافقة العربية في صيغ أداء النّصّ عند التّلاوة، وهذا يتعلق بقواعد التّجويد التي تتناول وضع الحروف العربية من حيث مخارجها وصفاتها وصيغ النّطق بها، وهي التي اهتمّ ببيانها اللغويّون الأوائل مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي(ت160ﻫ) وسيبويه(ت180ﻫ) وابن جنّي.

خلاصة:

من كرامات حديث نزول القرآن الكريم على الأحرف السّبعة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم بيّن جواز تعدّد أوجه القراءة، وأظهرَ رحمةَ الله تعالى بالأمّة حين اقتضى أمرُ ورودها تنوّعَ أفهام العلماء حولها والذي يدلّ على سعة تحمّله. وبدون ذلك سيتحتّم على الأمّة أن تقرأ القرآن الكريم كلّه على حرف واحد في أصول قراءته وفرش حروفه، وهذا مستحيل لتعدّد لهجات لسان العرب واختلاف ملكات القرّاء في النّطق وصور الأداء، وإمّا أنها ستسلّم بحصول الاختلاف في الكتاب المحفوظ، وهذا زعم ينفيه قوله تعالى: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (النساء:82).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *