لماذا يشعل المتطرفون الحرب في المغرب؟ إبراهيم الطالب

لا إشكال في أن يسمي كل واحد نفسه أو ولده بما يريد، شريطة أن يحترم الشرع الذي يعتبر قانون المسلمين الضابط لتصرفاتهم ومعاملاتهم، والذي يُفترض ما دمنا في بلد إسلامي أن يكون القانونُ مجرد تبويبٍ وتقسيم له لا شرعا آخر مزاحما له.

ومعلوم أن للأسماء دلالات، والألفاظ قوالب المعاني، والمعاني لها وظائف تواصلية ثقافية، فمن يسمي ابنه محمدا، فهو يتيمن باسم النبي صلى الله عليه وسلم، ومن يسمي مولودته فاطمة فتيمنا ببنت رسول الله.

ومراعاة لدلالة الأسماء وأهميتها فقد غيَّر نبينا صلى الله عليه وسلم مجموعة من الأسماء لأصحابها منها “حزن” ووسم بعضها بالخير وبعضها بالشر وذلك في الحديث الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم: “خَيْرُ الْأَسْمَاءِ عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَنَحْوَ هَذَا، وَأَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ الْحَارِثُ، وَهَمَّامٌ، حَارِثٌ لِدُنْيَاهُ وَلِدِينِهِ، وَهَمَّامٌ بِهِمَا، وَشَرٌّ الْأَسْمَاءِ حَرْبٌ، وَمُرَّةُ”، ومن أراد أن يسمي نفسه أو غيره بأسماء غيرها فلا حرج عليه وفق ما أسلفنا.

والخلاصة من هذا التقديم هو الاستدلال على أهمية الأسماء وأبعادها النفسية والثقافية؛ فهل الجدل الذي أثاره المعتقل الزفزافي باختيار اسم كسيلة/أكسيل لمولود من أسرته بريء من حمولته التاريخية والثقافية، أم أن الأمر مقصود لبعده الأمازيغي ورمزيته التاريخية؟؟

بالرجوع إلى الجدل الدائر على وسائل التواصل وكذا بعض الجرائد ذات الخط المعلوم لدى الجميع، يتبين لنا أن الأمر ليس مجرد تسمية لمولود باسم أمازيغي الأصل، بل هو أخطر من ذلك وأبعد؛ فقد اتخذ أولئك من هذا الجدل وسيلة لتعميق الصراع بين الإسلام والأمازيغ، وكأننا في القرن الأول للهجرة، ومما نقلته الأطراف المذكورة على لسان مَن أسمته باحثا في التاريخ القديم: “أن أهم ما قام به الخطاب الأمازيغي هو رفع القداسة عن التاريخ، خاصة تاريخ الإسلام وطريقة دخوله إلى المغرب، إذ كسر تقديس بعض الغزاة والقادة العسكريين والسياسيين، متسائلا: “هل موسى بن نصير وعقبة بن نافع قادة عسكريون ومحاربون أم أنبياء ورسل؟”.هسبريس يومه الخميس 25 يونيو 2020(*).

فعن أية قداسة تتحدث هذهالجريدة ويتكلم هذا الذي اتخذته “باحثا”؟

ومن ذا الذي يقدس الصحابة حتى نعمل على رفع القدسية عن التابعين؟

وما مناسبة هذا الكلام  ذي الحمولة العدائي أصلا؟

ولماذا هذه النبرة الحربية المتعمدة والغارقة في العدوانية؟

وإلى أين يقودنا هذا الصراع في المستقبل؟

لم تكتف الجريدة و”الباحث” في إذكاء الصراع بين الأمازيغ والإسلام، بل اتهمت مَن أوصل الإسلام إلى شمال إفريقيا بأنه ارتكب جرائم حرب؛ حيث نقلت عن “الباحث نفسه” مايلي: “وأوضح الباحث المغربي أن السلفيين يحاولون فرض تقديس زعماء عسكريين اقترفوا جرائم حربية في ذلك العصر، ولم يطبقوا شعائر الدين الإسلامي المنادية بالسلم واحترام اختلاف الأديان؛ “فالغزوات كما هو معروف لها أهداف اقتصادية وسياسية محضة، وتروم استعباد الناس”.

يبدو أن مَن قام بصياغة هذا المقال له هدف واضح، وهو تعزيز الصراع بين العنصر العربي والعنصر الأمازيغي في المغرب، ولا يخفى على العقلاء أن مسألة الأمازيغية في المغرب قنبلة موقوتة يتم تجهيزها من طرف من يهمهم الاستحواذ مرة أخرى على الثروات المغربية والضغط على القرار السيادي وإضعاف الجبهة الشعبية بالصراعات المنهكة للعقل والمستنزفة للأعمار، حتى إذا نضجت الظروف وجاء الوقت المناسب لهم رموا بتلك القنبلة في الساحة المغربية لتشعلحروبا وصراعات دموية، تماما كما رموا بالأمس في الساحة العراقية بالقنبلة الكردية، استعدادالغزو العراق وتفتيته واستنزاف ثرواته وقد عايشنا ذلك، واليوم توظف أيضا الإثنية الكردية نفسها مثل القنبلة في التهديد لأمن تركيا لإجهاض تقدمها بحيث اضطرت إلى فتح جبهات في سوريا لحماية أمنها القومي، وهل يخفى الخيط الناظم بين خطوط خريطة سايس-بيكو 1917م وبين مخططات خريطة الشرق الأوسط الكبير التي وضعها الصهيوني برنار لويس.

وهذا يجعلنا نتساءل عن طبيعة الدور الذي تلعبه تلك الجريدة في صناعة القنبلة الأمازيغية، خصوصا وقد صرحت في ورقتها التي أعدتها في الموضوع بما يدينها: “معروف أن اسم “أكسيل”، الموسوم بكسيلة في الأدبيات الشرقية، ارتبط بمقتل عقبة ابن نافع، بعد معارك متوالية رفض فيها الملك الأمازيغي “الانبطاح”، وهو ما تفرقت بشأنه الآراء، بين مدافع عن وطنه وحوزة بلاده، ورافض لدخول الإسلام إلى بلاد شمال إفريقيا” المرجع نفسه.

إن المغرب لم يعرف طيلة 15 عشر سنة أي ملف اسمه: “القضية الأمازيغية”، ولو فتشنا لوجدنا أن أول من اشتغل على هذا الملف هو الاحتلال الفرنسي، فـ”لم تكد حكومة الحماية تستقر بالرباط، حتى أنشأت مدرسة عليا أطلقت عليها اسم “مدرسة اللغة العربية واللهجات البربرية”، وابتدأت الدراسة فيها سنة 1913م، تمهيدا للسياسة البربرية في المغرب الأقصى، وكان جلالة السلطان وحكومة المخزن الشريف على غير علم بالسياسة البربرية، ومراميها الاستعمارية ضد الشريعة الإسلامية واللغة العربية، والوحدة الوطنية المغربية، فاستغل المقيم العام ليوطي خُلُوَّ بالِ المخزن الشريف مِن كل فكرة سابقة عن هذه السياسة الخطيرة، واستصدر من السلطان لأول مرة ظهيرا خطيرا لم يسبق له نظير في تاريخ المغرب منذ دخل في الإسلام، وكان ذلك في يوم 11 سبتمبر سنة 1914م، أي بعد سنتين ونصف من عقد معاهدة الحماية” فرنسا وسياستها البربرية في المغرب ص20 -21.

لقد كان هذا الظهير بمثابة اللبنة الأولى في التشريع لقوانين ستتوالى بعد ذلك لتُتوَّج بالظهير البربري المؤرخ في 16 ماي 1930م الذي كان بداية العد العكسي لنهاية الوجود الفرنسي العسكري في المغرب، وكانت “مدرسة اللغة العربية واللهجات البربرية” هي المؤسسة التي تَخرَّج منها جل الضباط الذين نفذوا خطط السياسة البربرية في المغرب، ودرَّس بها أكابر المستشرقين وأعلام الفكر والسياسة الإمبريالية الفرنسية؛ وكان مقرها بالمبنى الذي تشغله اليوم كلية الآداب والعلوم الإنسانية قرب باب الرواح بالرباط العاصمة.

إن هذا الخطاب المتطرف لمثل أولئك المتعصبين هو من أخطر ما يمكن أن يُنشر بين مكونات المجتمع المغربي، فهو استمرار في افتعال قضية بين المغاربة لا محالة ستؤدي مستقبلا كما ذكرنا إلى سفك الدماء بين المغاربة لا قدر الله، وعلى كل غيور أن يتصدى لهذا التأجيج وهذه المشروع الإفسادي الخطير، الذي كان علماء الأمازيغ وأدباؤهم وزعماؤهم على وعي تام به فناهضوه وسُجنوا في سبيل محاربته والانتصار لهويتهم الإسلامية، التي تجمع لهم بين ثقافتهم الأمازيغية ودينهم الإسلامي، هذه الثقافة وهذا الدين لم يتمكن الاحتلال الفرنسي رغم قوته وخبرائه وضباطه من أن ينال من اتحادهما.

ومن أولئك العلماء والقادة نجد السيد الأمجد العلامة سيدي محمد المختار السوسي الذي قال فيه الزركلي وهو يترجم له: “ولما قام الفرنسيون بإصدار الظهير البربري، أيام الحماية، عارضهم وجاهر في منطقته بالحركة الوطنية فقبضوا عليه وجعلوه في أحد المعتقلات مع زملائه من كبار الوطنيين المغاربة ثم أخرجوه وأجبروه على الإقامة في بلدته مدة خمسة أعوام” نقلا عن الأعلام.

المختار السوسي العلامة العلم رحمه الله لولاه بعد الله لضاعت الهوية الأمازيغية في جزء مهم من تاريخها التليد، فجهوده العلمية في التأريخ للثقافة الأمازيغية برجالاتها وعلمائها ودواويرها ومدارسها وعاداتها وتقاليدها ومؤسساتها الاجتماعية والعلميةلعبت دورا توثيقيا وفَّرته كتبه العديدة الرائقة الرائعة، والتي لا يعتبر ما قدمه متطرفو الأمازيغي الجدد أمامها إلا كحصاة الخذف أمام جبل توبقال الشاهق، هذا التراث الذي يزهد فيه أولئك المتطرفون لأن صاحبه عالم أمازيغي يخدم دينه الإسلامي.

إن الخطاب المتطرف الذي تنشره مثل تلك الجريدة وأولئك “الباحثين” يُعتبر خيانة عظمى للبلاد وللمغاربة، وللمجاهدين الذين استشهدوا في جبال الأطلس وسوس والريف، وللزعماء الأمازيغ الذين سجنهم مبتدعُ هذه القضية وعذبَّهم جنوده ونفوهم من الأرض، أمثال الزعيم الوطني عبد الكريم الخطابي، والحنصالي ومحا وحمو الزياني رحم الله الجميع.

فهل اختيار اسم كسيلة أو اكسيل والتصريح بأن هذا الاختيار هو لإحياء الأمجاد، ونصرا للأمازيغ ضد الغزو الإسلامي، واعتبار تابعي الصحابة وجهادهم في إيصال الإسلام إلى بقية العالم ومنه المغرب، ودخول الأمازيغ في الإسلام أفواجا، هو جرائم حرب وغزو لأغراض اقتصادية، ينسجم مع مسار أولئك الأبطال الذين ضحوا بالمال والنفس والولد والأهل؟ يقينا الجواب: لا.

وهل هذه الأطروحة وهذا العداء المكشوف سينتهيان بسلام؟ يقينا الجواب: لا.

والتعليل: لأنهما وإن كانتا اليوم مجرد تأجيج للصراع فكريا وثقافيا بين المسلمين عربا وبربرا من جهة، وبين غلاة الأمازيغ الذين لا يرون في الإسلام دينًا لهمبل يحاربون الإسلام والدين والتاريخ المغربي أشد مما حاربته جنود ليوطي من جهة أخرى، لكنها غدا ستؤول إلى ما آلت إليه مثل هذه القضايا في العالم.

إننا نرى أن الواجب العظيم على العقلاء اليوم من الكُتاب والسياسيين وخصوصا ذوي الأصل الأمازيغي هو التصدي لمقدمات حرب طائفية إثنية في مغرب المستقبل، فإذكاء نار العداوة بين مكونات المغرب العرقية ستكون وسيلة لعودة الاحتلال الغربي أشد شراسة وقوة، وليس عبثا أننانرى التطرف الأمازيغي يحظى بكل هذا الدعم الخارجي في أوربا والكيان الصهيوني، فالعقل الصهيوني-الصليبي-العلماني الإمبريالي الذي أسس للسياسة البربرية في الجزائر والمغرب وليبيا هو نفسه الذي يُمَوِّل ويرعى متطرفي النزعة الأمازيغية.

ومن المفارقات العجيبة في سيرة هؤلاء المتطرفين أن قبائل وقيادات أمازيغية حكمت وسكنت في الأندلس قرونا وكانت لهم هناك حضارة ولا زالت لهم فيها مآثر، عذبوا وقتلوا بل أبيدوا ومن بقي حيا رماه الإسبان الصليبيون في البحر، وكل هذا لا يحتاج إلى حفريات ولا نقوش، ومع ذلكلا أحد من غلاة الأمازيغ يكتب شيئا في هذا ولا عنه، بل نراهم دوما على العكس، يدافعون عن الاحتلال الفرنسي واللغة الفرنسية، ولا يتحدثون أبدا عن الجرائم التي ارتكبها جنود الاحتلال في المغرب الذي يعتبره هؤلاء المتطرفون أمازيغيا فقط، واليوم هؤلاء الغلاة يربطون الثقافة الأمازيغية بالصهيونية ويسارعون إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، ليستجلبوا الدعم لقضية يظنون فيها رفعة العنصر الأمازيغي، الذي لا يحتاج كل هذا العناء، فالأمازيغ في المغرب في الحكم والوزارة والاقتصاد.

وأما ما تعانيه بعض المناطق السوسية أو الأطلسية أو الريفية من تهميش وفقر وتخلف فهو نفسه الذي تعيشه المناطق العربية كالشاوية رغم غناها والغرب الذي كان نافعا فقط في زمن الاحتلال،ولا زالت بعض مدنه كما تركها، فلا معنى أن يستغل المتطرفون ثقافتنا وتراثنا الأمازيغي في خلق الصراعات العنصرية ببلادنا لنصبح نحن أيضا مثل العراق الجريح.

وعلى الدولة أن تتحمل مسؤوليتها ولا تسمح لأمثال أخنوش من الحزبيين الفاشلين باستغلال هذه النعرة وإذكاء روح العصبية العرقية التي إن لم تُلاق الحزم أصبحت محل مزايدات سيستفيد منها فقط المتربصون بأمن البلاد ووحدته؛ وما قضية البوليساريو اللقيط عنا ببعيد.

وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) من مقال بعنوان: “القائدان أكسيل وعقبة يثيران صدام سلفيين ومدافعين عن الأمازيغية”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *