نماذج من تطاول رشيد أيلال على “صنعة المحدثين” (م.ز)

لقد فشل رشيد أيلال، في كتابه “صحيح البخاري: نهاية أسطورة”، في أن يثبت لنفسه: صنعة المحدثين، عقلانية المفكِّرين، دقة علماء المخطوطات، منهج التاريخانيين، أصالة المغاربة، أمانة الباحثين… إلخ. فشل في كل ذلك، فأبى إلا أن يخفي فشله تحت قناع “محاصرة كتاب وفرض الرقابة على رأي”. أليس من حق الدولة أن تمنع كتابا أقل ما يقال عنه أنه كتاب لا نفع فيه، حتى فيما يدعيه صاحبه؟ أليس من حق المحدثين أن يدافعوا عن “منهج” خدموه عبر التاريخ في مواجهة من يريد أن ينسفه بالادعاءات الباطلة؟ أليس من حق الشعب المغربي أن يدافع عن دينه في وجه التفكيك؟

من حق الدولة أن تحافظ على سلطتها في زمن تفكيك الاستعمار للسلط، ومن حق المحدثين أن يحافظوا على منهجهم في زمن تفكيك كل معيار ينظم التفكير، ومن حق الشعوب أن تدافع عن عناصر وحدتها ومقاومتها وصمودها في وجه الاستعمار الجديد.

فما بال أيلال ينتفض إذن، مدعيا “محاصرة الظلامية للتنوير”؟

ما تكون “الظلامية” إن لم تكن توفير الأقنعة الإيديولوجية لتوغل الاستعمار الجديد أكثر من ذي قبل في أرض المغرب؟

وما يكون “التنوير” إن لم يكن نزعا لكل تلك الأقنعة من قبل كافة الوطنيين: فقهاء ومحدثين ومفسرين وأصوليين وفلاسفة ومفكرين وسياسيين… إلخ؟

لم يُعرف أيلال، طيلة مساره البحثي، بتخصصه في “علم الحديث”. ولما تكلّم فيه، نطق بما ينطق به المبتدئون. فأخذ يستنكر ما يلي:

– إدخال الموقوف والمقطوع مع المرفوع في معنى “الحديث”، معتبرا ذلك من التناقض مع التعريف الشائع ل”الحديث” بكونه: “ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم: من قول أو فعل، أو تقرير، أو وصف خَلقي أو خُلُقي”. (1)

وبما أن صاحبنا غير ذي تعمّق في “صنعة المحدثين”، فإنه لا يستحضر تعدد تعاريف “السنة” حسب تخصصات “علماء الشريعة” المختلفة، كما أنه لا يميز بين “تعريف الحديث” و”تعريف السنة” عند المحدثين. إنه من جهة أولى، لا يستحضر تمييز “علماء الشريعة” بين: “سنة” الأصوليين بمعنى “ما أثر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من قول أو فعل أو تقرير”، و”سنة” الفقهاء بمعنى “المندوب”، و”سنة” المتكلمين بمعنى “ما يخالف البدعة”، و”سنة” المحدثين بمعنى “ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خَلقي أو خُلُقي”.

ومن جهة ثانية، فإنه لا يميز بين “السنة” و”الحديث”، باعتبار “سنة المحدثين” معنى خاصا من معاني “الحديث”. فماذا تنتظر من عقل مبعثر إذن؟ ماذا تنتظر منه غير تعريف “الحديث” بتعريف “سنة المحدثين”؟ وماذا تنتظر منه غير محاكمة أقوال “المحدثين” وقواعدهم لتعريفٍ واحدٍ يعتبره منتهى العلم؟ وليس هكذا يفعل المبتدئون في “علوم الشريعة”، فما بالك بالباحثين المتخصصين في “علوم الحديث”. بل إنهم يميزون بين “سنة” و”سنة” أولا، وبين “السنة” و”الحديث” ثانيا، وتلك هي الخطوة الأولى لدراسة “مصطلح الحديث”. تلك هي الخطوة التي يجهلها أيلال، فكيف له أن يناقش “المحدثين” في صنعتهم والحال كذلك؟

– تسمية “ما أضيف للنبي والصحابة والتابعين من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خَلقي أو خُلُقي” بـ”الحديث”، والحقيق، أن “الحديث” في القرآن جاء بمعنى “مطلق كلام الله المنزل على أنبيائه، وأنه كتاب الله الموحى أيضا إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، لكن علماء الحديث ومن سار على دربهم لا يعرفون للحديث معنى إلا كلام الرسول والصحابة والتابعين”. (2)

ويا للعجب! رشيد أيلال الذي لا يميز بين “السنة” و”الحديث”، يستنكر على “علماء الشريعة” عدم تحديدهم لمعنى “الحديث” قرآنيا. يستنكر ذلك، في جهل تامّ: بالبناء الاستدلالي الذي على أساسه عُرِّف “الوحي” لدى جماهير العلماء (حيث تدخل “السنة” في معنى “الوحي”)، بأخذ بعض الألفاظ القرآنية لمعاني اصطلاحية غير قرآنية قبل نزول القرآن وبعده (مما هو متعلق بشروط التاريخ المتحولة باستمرار، ومن ذلك إكساب “المحدثين” لفظ “الحديث” معنى آخر في شرط تطور الإنتاج المادي والفكري للمسلمين)… إلخ.

– اعتبار “صنعة المحدثين” علما، ففي نظر أيلال، “لا يمكننا بأي حال من الأحوال اعتبار خرافة “الحديث” علما، لأنها لا تملك من العلم شيئا، منهجها منهج أهواء، وأسلوبها انتقائي مزاجي، يخضع لأقوال الرجال، والتي بمقتضاها يتم الحكم على رجال آخرين بالصلاح أو بالطلاح”. (3)

يا ليت أيلال بنى هذه النتيجة على استدلاله، ولكنه بناها على استدلال غيره (عماد حسن)، بل إن النتيجة نفسها هي لهذا الرجل (“خرافة علم الرجال”). اقتباس من صفحتين، اقتباس لا يتدخل فيه أيلال بتركيب أو تحليل أو استنتاج، بل إن الاقتباس هو نفسه الاستدلال والنتيجة.

وكلاهما، عماد حسن ورشيد أيلال، لا يتصوران ما يحكمان عليه كما يجب (والحكم على الشيء فرع عن تصوره، كما يقول المناطقة). لا يتصوران “العلم الدقيق” كمرحلة متقدمة لتطور المعرفة البشرية، كما أنهما لا يتصوران “علم الحديث” كصنعة خاصة لها موضوعها وسياقها الخاص. فما كان منهما إلا أن أهملا أشكال المعرفة التي كانت سائدة قبل اكتشاف “العلوم الدقيقة” (الأسطورة، المعرفة الدينية، الفلسفة الطبيعية… إلخ) (4). وما كان منهما أيضا، إلا أن تصورا “صنعة المحدثين” خارج موضوعها (حفظ “الحديث” وفق قواعد معتمدة على وجه “التقريب والتغليب” (5))، فحاكماها إلى شروط “العلم الدقيق”: “وحدة الموضوع، قابلية المنهج للاختبار، قابلية التجربة لإعادة الإنتاج” (6). والحقيقة، أن “العلوم الإنسانية” نفسَها لا تخضع لهذه الشروط مطلقا، فما بالك بمعاييرَ اتفق عليها “المحدثون” لجمع “الحديث” وحفظه.

– اعتماد “المحدثين” معاييرَ خاصة بتجريح وتعديل “الرجال”، يستنكر هذا الاعتماد بحجة أن أحوال البشر لا تتصف بالكمال، وأن “التقوى والصلاح من البواطن التي لا يعلمها إلا الله”. يقول أيلال: “إن علم الرجال يعني ببساطة أن المحدثين يستدلون على الحقيقة بالرجال، ويهتمون بمن قال أكثر مما قال، وهنا يحق لنا أن نسأل كل ذي عقل حصيف، هل كان الصحابة كلهم عدول، وكلهم أتقياء، وكلهم على مرتبة واحدة من العلم، أم هم في الحقيقة أصناف وأنواع، يجب أخذ الحيطة والحذر عند الأخذ منهم وعنهم؟”. (7)

من “صنعة المحدثين”: حفظ ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم (وتلك هي مهمتهم التي تجندوا لها، قبل تحديد معاييرها)، دراسة أحوال السند والمتن معا (لا السند وحده، كما يدعي أيلال)، تحديد معايير “التجريح والتعديل” على وجه “التقريب والتغليب” (ولا يدعون كمال الإنسان مطلقا، كما يدعي أيلال)… إلخ.

والملاحظ هو أنّ أيلال قد قرأ “علوم الحديث” في كتب المبتدئين والمتعلّمين، وهي كتب تطغى عليها أساليب “التحديد المطلق للمعاني”، بغرض التعليم وتثبيت المعايير لدى المتعلّمين ابتداء. ولو أنه قرأها في كتب كبار “المحدثين”، لوجدهم يختلفون في اصطلاحاتهم وشروطهم، ولعرف كيف بُنيت المعايير وصيغت على وجه التقريب لا على وجه “التحديد المطلق”.

– قول بعضهم برواية الرجال للأحاديث لفظا ومعنى، والحقيقة، أنّ “الأحاديث التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رويت عنه بمعناها، لمّا لم يستطيعوا أن يأتوا بها على حقيقة مبناها، لنسيان أصلها أو لمضي الزمن عليها في أذهانهم عندما رووها، وأن كل راو قد روى ما بقي في ذهنه من هذا المعنى بعد أن عجزت ذاكرته عن ضبط ألفاظه”. (8)

إن “رواية الحديث بالمعنى” هو ما أجازه “الفقهاء” قبل قرون، وتلك “رواية” رصدها “المحدثون” وهم يقارنون بين مُتن الأحاديث. وعليه، فإن “الخرافة” التي يريد أيلال إسقاطها، قد أسقطها المحدثون قبله. وإذا كان هو يسعى من خلال ذلك الإسقاط إلى بلبلة “ثبوت بعض الأحاديث وحجيتها”، فإن المحدثين يفسرون باستحضاره تعدد الروايات ذات المعنى الواحد، ولا يرون في ذلك أدنى الحرج. ولا حرج إلا حرج أيلال، حرج تأوّل، لا حرج موضوع التأوّل.

… إلخ.

لقد وجدنا في “الكتاب الأسطورة” (كتاب رشيد أيلال) نماذج عديدة من تطاول أيلال على ما لا يتقنه من “صنعة المحدّثين”، وليس هذا هو مجال التفصيل في كل ذلك، وفي غيره من تطاوله على: عقلانية المفكِّرين، دقة علماء المخطوطات، منهج التاريخانيين، أصالة المغاربة، أمانة الباحثين… إلخ. فلنترك ذلك إلى مقال يتسع فيه النقاش لذلك، وحسبنا هنا أن بينّا بعض الأمثلة من قلة بضاعته في “صنعة المحدثين”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1): رشيد أيلال، صحيح البخاري: نهاية أسطورة، دار الوطن، الطبعة الثانية، 2019، ص 31.

(2): نفسه، ص 33.

(3): نفسه، ص 36.

(4): “العلم الدقيق هو: العلاقة الجدلية الضرورية بين التنظير المرَيَّض والتجربة والقياس الدقيقين”، بتعريف هشام غصيب، في محاضراته “تاريخ العلم”.

(5): راجع كتاب: “نظرية التقريب والتغليب”، أحمد الريسوني.

(6): رشيد أيلال، نفس المرجع السابق، ص 34-35.

(7): نفسه، ص 37-38.

(8): نفسه، ص 40-41.   

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *