الجذور التاريخية لاختراق التعليم بالمغرب

 

يرجع تاريخ اختراق التعليم المغربي إلى بداية الطغيان الامبريالي وتمدده في العالم الإسلامي، حيث كان من بوادر هذا الضغط الاستعماري إصدار السلطان محمد بن عبد الرحمان ظهيرا شريفا سنة 1862 أي مباشرة بعد هزيمة تطوان لإحداث مدارس خاصة بالمحميين من اليهود.

وبموجب هذا الظهير تم إنشاء حوالي 20 مدرسة يهودية بتمويل من الرابطة الإسرائيلية العالَمية، ومنظمات يهودية أخرى في الفترة ما بين 1862م إلى قبل الاحتلال الفرنسي 1911م، والتي استغلت بدورها هذه المدارس.

وبعد دخول فرنسا إلى المغرب كان من أولويات أول مقيم عام “تشريك الأهالي في الوظائف العامة، وجعلهم يقبلون بالتعليم والمناهج الفرنسية”، كما صرح ليوطي.

كما كشف تقرير سري عن الثعلب الفرنسي “ليوطي” قوله “وأما التعليم فبواسطته يمكن أن يتم العمل الأكثر عمقا، والأشد تأثيرا في تطور الفكر المغربي الجديد، وإن في هذا الميدان لشغلا كبيرا يلزم الاعتناء به حينا، لأنه أهمل غاية الإهمال، فبواسطة المدارس وحدها يمكننا أن نهيئ النخبة المتأهلة للمشاركة معنا، ونكوِّن العنصر الحي والأهم لموظفي الحماية”.

كما شرح ليوتنون كولونيل “بول مارتي” شكل هذا التعليم قائلا: “إن أي شكل من أشكال تعليم العربية، إن أي تدخل من جانب الفقيه، إن أي مظهر من المظاهر الإسلامية، لن يجد مكانَه في هذه المدارس، بل سيُقصى بكل صرامة”، فهم أرادوا تعليما يحارب كل مظاهر الهوية من لغة عربية وتربية إسلامية وأعراف وتقاليد مغربية فهي محاولة لإيجاد “مسخ” هجين يخدم مصالحهم، ويكن الولاء لهم.

وكان هذا التغول الهوياتي الفرنسي محفزا لرجال الحركة الوطنية الذين جعلوا القضية التعليمية من أولويات برنامجهم الكفاحي بل كان حاضرا منذ ظهور بوادر المقاومة السياسية، حيث كان التعليم الحر بوابة لتكوين أجيال متشبعة بالقيم الإسلامية ومتمكنة من اللغة العربية وتاريخ المغرب والإسلام عموما، هذه المدارس التي تخرَّج منها جيلٌ مقاوم للاحتلال بكل الوسائل، والذي تمكن من إخراج المحتل من أرض المغرب.

وبعد انجلاء سحابة الاحتلال الفرنسي، وفي الوقت الذي كان يجب فيه التخلص من تركة الاحتلال، تم العدول عن الإصلاح التربوي لسنة 1964 الذي كان المخرج الحقيقي للنهوض بالنظام التعليمي في المغرب، حيث عوض ببرنامج المذهب التعليمي للوزير بنهيمة، والذي أعاد الوضع إلى ما كان عليه في زمن الاحتلال.

وتبع هذا البرنامج مشاريع عدة كرست نفس ما جاء به بنهيمة، انطلاقا من مناظرة إفران 1970، ومرورا بمشروع “نحو نظام تربوي جديد سنة 1980″، و”مخطط المسار92-88″، ومشروع الميثاق الوطني للتربية والتكوين “2009-1999″، والخطة الاستعجالية 2012-2009، والرؤيا الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية 2015/2030، ومشروع القانون الإطار رقم 51.17، مشاريع تفتقر إلى الهوية المغربية الأصيلة التي ناضل من أجلها الأجداد من رجال المقاومة.

لكن مع الأسف الأطر التي تسيطر على دواليب القرار في التعليم المغربي، هي في أغلبها ورغم مرور الزمن تكرس نظرية مستعمر الأمس، فبدل أن يطرحوا مشاريع ومخططات تنهض بالتعليم، مبنية على أساسات متينة من ركائز الهوية الإسلامية الأصيلة، وقيم وأخلاق الدين، حتى تكون برامجهم مبنية على دعائم قوية وأرض صلبة، كرسوا ثقافة المحتل بكل حمولاتها الثقافية والاجتماعية وحتى الدينية في بعض المناهج التي خلقت الجدل في الكثير من الأحيان، مؤسسين بذالك لثقافة هجينة، ومسخ هوياتي، تائه في عالم أصبح كقرية صغيرة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *