امحمد الهلالي حاوره:عبد الصمد إيشن

الهلالي*: هناك أقلية معروفة ومسنودة تمارس تشاغبا على الدين في مناسبات مختارة بعناية غايتها استدامة صورة نمطية سلبية عن الإسلام

 

1ــ هناك من يشكك في مقولة المغرب شعب متدين، ما تعليقكم كمتخصص على هذا التشكيك؟

دعني أوجه شكر خاص لهذا المنبر الأغر وتقديرا كبيرا للقائمين عليه كونه يتصدر المنابر التي تعنى بقضايا الهوية والقيم، وليس بوصفها أشواقا روحية وحسب، بل لكونها قطب رحى في ثوابت المغاربة دولة ومجتمعا، ولكن أيضا باعتبارها استحقاقا ديموقراطيا للأغلبية الساحقة من المواطنين على مر الأجيال .

أما التشكيك في تدين المغاربة، فليس بجديد إلا من جهة صدوره عن شخصية علمية ذات تأثير وقريبة من أصحاب القرار والحاضرة أبدا في مختلف اللجان الاستشارية والعلمية، وهو الدكتور محمد الطوزي المتخصص في العلوم السياسة.

والجديد كذلك هو الصيغة التي ورد بها هذا التشكيك عندما ألقى الدكتور الطوزي لأول مرة بمصطلح “المجتمع الديني” نافيا عن المجتمع المغربي أن يكون مجتمعا دينيا، وهو مصطلح بقدر ما يوفره من غطاء علمي ودثار بحثي على أعمال التشكيك والمشككين المعروفة أوزانهم وجرأتهم على ثوابت الأمة، وغاياتهم التي ترنو إلى توسيع اللايقين لتشمل المجال الديني والقيمي بعد أن اجتاحت عددا من المجالات، بقدر ما تساعد صاحبها على الاحتفاظ بقدر معين من التحفظ الذي يمثل خط رجعة في حال حصول رد فعل غير مرغوب على هذا التصريح غير المسبوق من شخص بهذا الوزن وهذا الحضور من أصحاب الشأن .

ولعل هذا المصطلح “المجتمع غير الديني” والذي درج الباحثون على استعماله بخصوص الدولة أي “الدولة الدينية” وليس “المجتمع الديني او اللاديني”، لأن المجتمع يوصف بالمتدين او غير المتدين أما الدولة فهي دينية إن استمدت السلطة فيها مشروعيتها من حق الهي مباشر او غير مباشر كما كان في الغرب لقرون طويلة أو “دولة مدنية” كما هو الشأن في التصور الإسلامي من أول وهلة.

بطبيعة الحال هناك أقلية معروفة ومسنودة تمارس تشاغبا على الدين وتجاسرا على التدين في مناسبات مختارة بعناية غايتها استدامة صورة نمطية سلبية عن الإسلام والمسلمين كجزء من استراتيجية تطويق الانتشار الواسع والمطرد للإسلام ليس في صفوف المجتمعات الغربية التي تسجل أعلى مؤشرات في سلم السعادة والدخل الفردي وحسب، ولكن في صفوف النخب العلمية والفنية والفكرية والثقافية مما يؤهله ليكون الدين الأول في 2050 بعد أن صنف منذ مطلع القرن على انه الدين الأكثر انتشارا في العالم.

وبعيدا عن هذا فإن تشكيك الدكتور محمد الطوزي من حيث سياقه يظل غير مفهوم وربما قد يكون زلة لسان أو استسهال في استعمال كلمة “المجتمع الديني” في غير محلها، مع العلم أنه في المثال الذي قدمه سقط في اختزال مخل عندما ركز على معيار المساجد والذهاب إليها.

ذلك أن الإحصائيات الرسمية تقر بوجود 52 ألف مسجد وهو ما يمثل مسجد لكل 692 مواطن، بمساحة إجمالية تفوق 8 ملايين متر مربع ومع ذلك فهي تضيق بالمصلين إذ أن أضعاف طاقتها الاستيعابية يؤدون شعائرهم في الشوارع والساحات في الجمع والأعياد وفي صلاة التراويح.

والمغاربة المعروفين ببناء المساجد يتصدرون الشعوب المغاريبة في عدد المساجد إذ يتبعهم الجزائريون بحوالي 20 ألف مسجد فقط ثم الموريتانيون بـ8000 ثم التونسيون ب5000 مسجد ونفس الأمر ينطبق على الجاليات في الخارج من حيث الإنفاق على بناء المساجد.

واعتمادا على مؤشر الإنفاق على المساجد وتعهدها يعتبر المجتمع المغربي من أكثر الشعوب المغاربية تدينا، مما يجعل تصريح الدكتور الطوزي من غير حجة علمية ومفتقرا الى الاحصائيات العلمية التي تدعمه .

من هنا يمكن الإفصاح على خلاصة خرجنا بها بعد تجربتنا الطويلة نسبيا في رصد الحالة الدينية، وما راكمناه من خبرة علمية بهذا الخصوص، وهي أنه كلما توسع التدين، وارتفعت المؤشرات الكيفية والكمية الدالة على ذلك، كلما ارتفعت حملة التشويه والتشكيك والتجاسر التي تصدر عن أقلية مدعومة أو فئة مؤدلجة، وهذه إحدى مظاهر التدافع القيمي الماضية والذي يستفيد منها التدين نفسه بالانتقال من رد الفعل الاحتجاجي إلى الفعل البنائي الراشد والمؤثر وهذا مهم في حد ذاته .

كلما توسع التدين، وارتفعت المؤشرات الكيفية والكمية الدالة على ذلك، كلما ارتفعت حملة التشويه والتشكيك والتجاسر التي تصدر عن أقلية مدعومة أو فئة مؤدلجة، وهذه إحدى مظاهر التدافع القيمي الماضية والذي يستفيد منها التدين نفسه..

 

2ــ هل تجدون التقارير الصادرة بخصوص مؤشرات تدين الشعب المغربي علمية أم موجهة؟

ليس هناك تعارض بين أن تكون علمية وموجهة في الآن ذاته.

ولكن لكي توجه بشكل يحقق أهداف من يقف وراءها يلزمها أن تكون موضوعية، لكي تفهم الظاهرة أو الحالة المدروسة في تجلياتها وأسباب إنتاجها وقواعد تطورها وكذا لكي تكون سياسات التعاطي معها ناجعة وناجحة.

وفي العلوم الاجتماعية التي تؤطر الخلفية المعرفية لانتاج هذه التقارير هنالك حد مقبول من الموضوعية، ولعل هوامش الخطأ التي تحرص كل المركز التي تعد الدراسات على إعلان هوامش الخطأ ومع ذلك فهناك تحيزات لا يمكن نفيها أو التخلص منها أو نكرانها. وفي مركز الدراسات والابحاث المعاصرة انطلقنا من تخوف مفاده مدى موضوعية الأبحاث والدراسات الدولية والوطنية حول الدين والتدين، خاصة إن كان بعض الباحثين لهم تحيزات واختيارات لها موقف سلبي من الدين والتدين، أو قد لا تنظر للدين بنظرة إيجابية دائما، وهذا ما دفعنا إلى أن نتخذ قرارا بأن ننتج تقارير خاصة بنا اعتبرت موازية لهذه التقارير، واعتبرناها تقارير لرصد التدين من الداخل، وقد واجهنا في سبيل ذلك تحديا معاكسا وهو تحدي التجرد من الانحياز الإيجابي مقابل التحيز السلبي للمراكز الأخرى، ولازلنا نواجه هذا التحدي وتفادي السقوط في الحد الأدنى في “أعمال الدعوة” وفي الحد الأقصى السقوط في “أعمال الدعاية” للتدين وكلا الأمرين مخالف للموضوعية .

من جهة أخرى فقد قمنا بانجاز دراسة ذاتية لاختبار الفرضيات والخلاصات التي تسجلها الدراسات الاجنبية والوطنية، وكانت دراستنا حول “التدين عند الشباب” ونشرنا خلاصتها في التقرير الثاني للحالة الدينية .

وبصرف النظر عن هوامش الخطأ التي تعلنها هذه الدراسات هنالك شبه تطابق للخلاصات الكبرى لحالة التدين ليس في المغرب وحسب، ولكن في العالم برمته، ومن هذه الخلاصات تسجيل حالة من عودة الدين إلى الحياة العامة للشعوب وعودة الإنسان إلى التدين في جميع الأديان .

ضمن هذه الخلاصة طفى إلى السطح حديث إعلامي مؤخرا عن تراجع التدين خاصة لدى الشباب، وقد سبق لي أن كتبت مقالا لتوضيح ذلك كشفت فيه الخلفية التي تم استعمالها في تقديم قراءة مبتسرة تهم معطيين: أولهما ورد في دراسة الخريطة الدينية في الولايات المتحدة الأمريكية التي رصدت في المؤشر العددي لاتباع الديانات، وقد خلصت إلى تراجع جميع الأديان والطوائف عدديا في أمريكا باستثناء ديانتين هما الإسلام واليهودية اللتان استقرت نسبة أتباعهما في 1 في المائة لكل منهما .

أما الأمر الثاني الذي تمت قراءته من قبل وسائل الإعلام بشكل استعراضي هو مؤشر نسبة المتدينين وغير المتدينين في العينة المستجوبة في الاستطلاع السنوي الذي يجريه المركز العربي لتحليل السياسات فيما يسمى بالبارامتر العربي، إذ انتقلت نسبة الذين يصرحون أنهم غير متدينين من 4 في المائة إلى حوالي 12 في المائة على مدة عشرية كاملة، على أنه سجل تقدم كبير لغير المتدينين وتراجع للمتدينين دون ما وقوف على نسبة التدين التي ظلت فوق 90 في المائة أو تنقص عنها بنقطة واحدة .

التدين ما زال في تزايد كمي وتحسن كيفي متواصل، ومع هذا الانتشار تنتشر أنماط تدينية متباينة ومختلفة وبعضها يحمل تناقضات وممارسات طقوسية أو تصورية قابلة للنقاش والدراسة .

 

ولذلك فالتدين ما زال في تزايد كمي وتحسن كيفي متواصل، ومع هذا الانتشار تنتشر أنماط تدينية متباينة ومختلفة وبعضها يحمل تناقضات وممارسات طقوسية أو تصورية قابلة للنقاش والدراسة .

 

3ــ ما هي المؤشرات العلمية التي يمكن الاعتماد عليها لإبراز تدين الشعب المغربي؟

هناك مشكل في السؤال لأن الحاجة إلى المؤشرات في الظواهر أو الحالات التي تستعصي على القياس، أما في الحالات البارزة بالعين المجردة كحالة التدين بالمغرب فهي سمة لا تخطئها العين وكل الشواهد ناطقة بها والمعطيات دالة عليها .

ومع ذلك فان أبرز المؤشرات وأوضحها وأكثرها هو تصريحات المعنيين أنفسهم بأنهم متدينين أوغير متدينين واستنادا إلى تعريف متوافق بشأنه حول معنى التدين ولذلك اعتبر أن المؤشر الكمي لهؤلاء المصرحين هو أكثر دلالة وأصدق تعبير على حالة تدين المغاربة .

أي مدى قيامهم بالعبادات ومدى تمثلهم لأخلاق وقيم التدين ومدى انخراطهم في الأعمال أو امتناعهم عن أعمال مأمور بها أو منهي عنها دينيا، أي معيار المعتقدات والممارسات والأخلاق والسلوكات وهو ما يستحضره إلى حد كبير مؤشر البرامتر العربي .

ـــــــــــــــــــــــــــ

*رئيس المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة، والمشرف على تقرير المركز “الحالة الدينية بالمغرب”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *